صناعة الذات " عماري جمال الدين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

صناعة الذات " عماري جمال الدين

مُساهمة من طرف بوراس بوعلام في 2012-04-20, 1:28 pm

صناعة الذات " عماري جمال الدين

صناعــة الذات
(بين ماهو كائن، وما يجب أن يكون)
 المقدمـــة:
بسـم الله الرحمـن الرحيـم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على الرحمة المهداة والنعمة المسداة محمد بن عبد الله، وعلى الآل والأصحاب الطاهرين الطيبين والتابعين وتابعي التابعين، ومن سار سيرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين. بادئ ذي بدء أتقدم بالشكر الجزيل لأخي وأستاذي الفاضل الشيخ حميدان افريخ –إمام ممتاز بالمسجد العتيق سدراته – حائز على شهادة ليسانس فالماجستار وهو في إطار التّحضير للدكتوراه في العلوم الشرعية جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة. فبالتوفيق إن شاء الله تعالى.وبعـد :
لقد أردت من وراء هذه الجولة والسياحة في أرجاء وأقطار النفس البشرية أن أُنوّه بالمكانة المميزة للإنسان في هذا الوجود، وما للإيمان العميق والفهم الصحيح من تأثير فعّال في تحريره وترشيده وتقويته، وتوجيه حركته وسعيه نحو تحقيق الأهداف السّامية والمقاصد النبيلة، لتكون لحياته معنى ودلالة. لأنّه إمّا أن يكون الإنسان صاحب رسالة فيحي بها، ويعيش لها، فيَسعد ويُسعد من حوله، وإمّا ألاّ يكون. فانظرْ لنفسك أيّ المقامين تختار؟ فالحياة نعمة كبرى ورحلة لطيفة، وفرصة العمر مرّة واحدة لا تتكرر، والزّمن ينفلت من بين أيدينا دون أن نشعر، والأمانة تطلبنا صباح مساء وفي كلّ لحظة أن نُحسن حمْلها، والأعباء والتبعات شاقّّة وكثيرة، والضّعف البشري يلازمنا ويلاحقنا في كلّ أطوار حياتنا، فماذا نحن فاعلون يا ترى؟ فليس لنا والله إلاّ أن نأْوي إلى ركن شديد ونفرّ إليه فهو الملاذ الأوحد، وأن نقتفي أثر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وأن ننهج نهجه ونطبّق تعاليمه فهو قدوتنا وإسوتنا تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. وهاهو صلى الله عليه وسلم ينصحنا بقوله: "الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله. " حديث حسن رواه شداد بن أوس في سنن الترمـذي.
واللهَ نسأل أن يوفّقنـا وأن يُسـدّد خطـانــا وأن يأخـذ بأيدينا إلى شاطئ النّجــاة، وأن يعيننـا علـى حمـل الأمـانـة وأداء الرسـالـة، إنّـه ولـيّ ذلك والقــادر عليه ولا حـول ولا قـوة إلا بالله العلــي العظيـــم.


البـاب الأول: كيف أنجح في الحيــاة؟
01 طــرح الإشكاليـة، أيـن الخلل؟
إنّ ما تعانيه مجتمعاتنا اليوم من تخلّف وضعف ووهن وتآكل داخـلي لا يخرج على أن يكـون إفرازا للمشكلة الثقافية، وخللا في البنية الفكرية التي يعيشها العقل المسلم، ونتيجة للأزمة الأخلاقية التي يعاني منها سلوك الفرد المسلـم.(1) ضفْ إلى ذلك تفشّي الأميّـة وانتشار البطالـة، وغياب الحرية والعدل، وكذلك الخطاب الديني الموغل في التقليد، وهكذا فلا التنشئة الأسرية ولا المحاضن والفضاءات التربوية والنوادي الثقافية، ولا المنابر المسجدية والإعلامية استطاعت أن تصنع لنا الإنسان الذي نريد.




(1) ص 09 أدب الاختلاف في الإسلام- د.طه جابر فياض العلواني
"حتى النّخب في الوطن العربي- ناهيك عن المواطن العـادي- لا تملك التكويـن الثقافـي والمعرفي والفلسفي، الذي يمكّنها من تحمّل وجود الرّأي الآخر، كما أنها لم تتخلّ بعد عن التغذي من انتصارات الماضي بالقدر الذي جعلها عاجزة عن فهم إشكاليات الحاضر ورهانات المستقبل، وهي بذلك فشلت في إنتـاج خطاب متفتّح متسامح براغمـاتي، من أجل فكّ الاشتباك بين الإسلام كطرح للهويّة، وبين الدّيمقراطية كوسيلة وآلية لا تتعارض مع هذا الطرح، وبالتالي تُعتبر الثّقافة الفريضة الغائبة.(1)
وعليه نؤكّد وللمرة الألف أن أزمتنا ثقافية فكرية خلقية، قبل أن تكون سياسية اقتصادية اجتماعية. ويبقى الأمل قائماً من أجل نهضة قوية تعيد للأمّة مكانتها الرّيادية بالشّكـل المناسب وفـي الوقت المناسب نهضة فـي العلوم والثّقافة والفنون في الاتّصالات وفي البناء والتشييد، يقوم بهـا رجال ونساء شيوخ وشباب من أبناء هذه الأمـّة. وإذا كانت جريدة حرّة أخطر من ألف مدفع كما قـال نابليون بونابرت، وأنّ الفقر الثقافي أخطر بكثير من فقر الدم، كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه، فإنّه ما من سبيل للخروج من هـذا النفق وتجاوز هـذه العقبة الكؤود إلا بمعالجة جذور الأزمة الفكريـة الثّقافيـة، بتصويب الفهم لأن معظم الانحرافـات والتشوّهـات التي نلحظهـا والممارسات المخطئـة، مردّها إلى فهم معوج ورّث عللا في النّفوس وأخطاء فادحة قاتلـة، وفتنا هوجاء أتت على الأخضر واليابس حصدت الأرواح والممتلكات وخلّفت تداعيات ورواسب سلبية كثيرة، لـــذا لا بـــدّ مــن تقييـم دقيق وإعادة ترتيب قناعات جديدة،



(2) مقال بجريدة الخبر- للمفكر التونسي صلاح الجورشي.
وترتيب أولويات لتصحيح المسار، بإيلاء البعد الإيماني والفهم الصّحيح والتثقيف أهميّة كبرى، بنشر فكر الاعتدال والوسطية حتى لا تضيع الأمّة بين التشديد والتفريـط، وإعادة صياغة السلوك الخلقي كضمانة ضروريـة وحتمية لازمة، وإلاّ كيف يستقيم الظلّ والعود أعوج؟
وقفـــات
إنّنا قلّما ننظر إلى الداخل لأنّ الانبهار بالآخر (الغرب)، والانشغال بعيوب الغير والتشهير بها لم يدعْ لنا فرصة التأمل في بنائنا الداخلي. وقد ثبت في الأثر: "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه"، "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الآخرين"، "امسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ علىخطيئتك". فما أحوج الواحد منّا، أن يتوب إلى ربّه، ويؤوب إلى رشده، ويعود إلى نفسه. قال الشّيخ الغزالي: "فالإنسان أحوج الخلائق إلى التنقيب في أرجاء نفسه، وتعهد حياته الخاصة والعامّة، بما يصونها من العلل والتفكّك"(1) أقرب الناس إليك نفسك التي بين جنبيك، وأشدّهـم حاجة إلى التغيير أنت. ولذلك قيل:إذا أردت أن تغيّر العالم فابدأ بنفسك. وكل صادق في دعـواه يسعى لتغيير مـابنفسه أوّلا، وهي أكبر وأطول وقفة، تليها وقفات أخرى مع كلّ من لهم حقّ عليّ. مع الأسرة، ثم مع القرية أو المدينة التي أقطن بها، ثم مع الوطن، ثم الأمّة عامّة فالإنسانية قاطبة، كلّ على قـدر طاقته وقدراته وإمكاناته ومجال تخصّصه، لا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها.فالله أنعم علينا بفضله وكلّفنا بقدر طاقتنا. وإذا كانت نعمة الحياة مرة واحدة لا تتكرر وفرصة العمر أيضا كذلك، وإذا كان الزمن ينفلت منّا انفلاتا دون أن نشعر، وفي الوقت ذاته نحن عن الأمر العظيم الذي أُنزل إلينا غافلون أو قُل مقصّرون.


(1) ص 17 جدد حياتك- محمد الغزالي
قال تعالى:"وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عمّا يشركون."(67-الزمر) فإنه حريّ بنا أن تكون لنا محطات من حين لآخر للتّزوّّد والتّّأمل والتّّفكر واستعمال النظر في أحوالنا وفي مواقفنا وتصرفاتنا وأعمالنا، في علاقاتنـا وتواصلنا، في درجة تأثُّرنا وتأثيرنا فيمن يحيط بنا. فيما قدّمنـا وفيما لم نقـدّم، وفيما ينبغي أن نقدّم. إنه يتوجّب علينا تقييـم ومراجعة جهودنا ومساعينا ومبادراتنا، وترشيـدها نحو الأصوب. فنحن بشر نخطئ ونصيب. اذن حياتك هذا القصر الضخم الذي أنت منهمك في تشييده هو شخصيتك وهويتك وقصة حياتك بأكملهـا.
أسئلـة فـي الصّميـم
إذن نقطة الانطلاق وأولوية الأولويات: أن تعرف نفسك من أنت؟ وماذا تريد؟ وكيف الوصول إلى ماتريد؟ ما العلّة من وجودك؟ هل أنت على الطّريق؟ مادورك؟ مارسالتك؟ هل لك رؤية واضحة؟ هل تعمل بخطّة؟ ماذا أنجزت؟ ماذا تمتلك من مهارات وكفاءات؟ هل تبذل جهدا في هـذا الاتجاه؟
كن صريحا وأجب بوضوح مـاذا قدّمت لنفسك؟ (أقصد تطويرها وتنميتهـا) ماذا قدّمت لأسرتك؟ لوطنك؟ لأمّتك؟ للبشرية جمعـاء؟ أليس لك فضل على الاطلاق؟ لم تنجز شيء؟ إذن لا أثر لك ولا بصمات.
سيدي الكريم هل تنوي مراجعة أمورك؟ هل تشعر بألم ما؟ أترغب في أن تنطلق؟ على كل حال الفرصة أمامك. لم يبقَ لي إلا أن أُذكّرك بما قاله مصطفى صادق الرافعي رحمة الله عليه: "إذا لم تضف شيئا إلى الدّنيا، كنت أنت زائدا عليها".
وكما قال الرئيس الأمريكي الأسبق -كندي-: "لا تقل لوطنك ماذا قدّمتَ لي؟ بل قل ماذا قدمتُ أنا لوطني؟ إذن هذه بعض أسئلة دارتْ في خلدي وبإمكانك أن تطرح أسئلة أخرى مشابهة وما أكثرها! إنّها ليست أسئلة استفزازية بل أسئلة فـي الصّميم أطرحها علـى نفسي أولا وعليك ثانيا، والقصد من وراء ذلك لفت الانتباه إلى ضرورة التأمل وإثارة ملكة التفكير وتحريكها وتشغيلها.
مهمّــة نبيلـــة
فعمر الإنسان قصير جدّا ومهمّ جدّا وجميل جدّا، والحياة رحلـة لطيفة جميلة بحلوها ومرّها، وقد استخلفنا الله فيها لنعمّر الأرض، ونسخّر كل ما في الكون والطبيعة، ونبني الحضارة وننشر رسالة الإصلاح والخير، ونمدّ جسورا للتّعاون والتّعارف مع الآخر. قال تعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم".(13-الحجرات) ينبغي أن نكسب ثقافة الأمل وصناعة الحياة، واستغراق جلّ أوقاتنا فيما يعود علينا وعلى البلاد والعباد بالخير والبركات.
تعميق الوعـي المتسائـل
باستعمال المخيّلة والفكـر وطرح الأسئلـة، فالإنسان من حقّـه أن يسأل وأن يتساءل لأنّ القلق المعرفي المسكون بالسؤال مشروع وإيجابي، فهو المحرّك الحيوي للثقافـة التي تعيد قراءة ذاتها، وتخلق السّؤال من رحم الجواب. فالمفكّـر المتأمّل الباحث، يحمل همّ السؤال قبل همّ الجواب.
إنّ العقل العربي مطالب اليوم بتقديم أجوبة جديـدة لما يطرحه عليه الرّاهن من أسئلـة. لابدّ من إحيـاء فريضـة التفكير في حياتنا ولابـدّ من اعتماد النّقد واستعمال النّظـر كفعالية ديناميكيـة لاستئناف التساؤل، لأنّ التساؤل يستبطن بالضرورة الرّغبة في التغيير. ولايمكن أن يتملّكنا الخوفُ على ثقافتنا وهي تمارس النّقد على ذاتها، لأنّها في جوهرها تمتلك من المتانـة والقدرة ما يؤهلها على الصّمود واستيعاب الجديد. ولعلّ من الأسئلة الجديرة بالطرح في عالمنا اليوم على المستوى الفردي، لماذا لم أرتقِ إلى المستوى المطلوب؟ وعلى المستوى الجماعـي؟ لماذا تأخّر المسلمـون وتقدّم غيرهم؟ وليس من باب جلد الذات أطرح مثل هذه الأسئلة ولكن رغبة في التّّغيير والتّطوير.
ســرّ تقدّمهــم
فالإنسان الغربي لا يختلف على بقيّة البشر من الناحية البيولوجيـة، غير أنه فتح عقله على عيوبه فراح يتخلّص منها، وفتح عقله على إمكاناته وراح يستثمرها بالقدر الذي يستطيع، وأدرك اليابانيون وكثير من الآسياويين نفس ما أدركه الإنسان الغربي فصنعوا ما نعرف جميعا.إنّ قدرات أيّ أمّـة تكمن فيما تمتلكه من طاقات بشرية مؤهّلة ومدرّبة، وقـادرة على التكيّف والتّعامل مع أي جديد بكفاءة وفعالية. وما تجربة دول جنوب شرق آسيا منّا ببعيد، فسـرّ نهضتهم ونموّهم وتقدّمهم يكمن أوّلا وقبل كل شيء في عقول أبنائهم وسواعدهم الفتيّة. وللّحاق بالرّكب لابدّ من إعطاء أهميّـة وشأن للعلم والمعرفة، وفهم قوانين الحياة ومعرفـة سنن التغييـر في الأنفس والآفاق. وإذا كان التّحدّي المطـروح اليوم كيف نؤسّس لتنمية شاملـة التي هدفها الإنسان؟ فإنّ التحدّي الأكبر كيف نصنع الإنسـان؟ لأنّ البشر هم الثروة الحقيقية لأيّ أمّـة. في حين أصبح مفهوم التنمية مرتبطـا بجودة حياة البشر، والاستثمـار في الإنسـان. فماذا فعلنا نحن في هذا الاتجـاه كأفراد وأُسَـر وجماعات، كمجتمعات ودول وكأمة؟ ماذا دهى أنظمتنا التربوية والاجتماعية؟ أين الجهد الذي تبذله النّخب المثقّفـة؟ وامتثالا للمقولة الإيجابية: "عوض أن تلعن الظلام أوقد شمعـة"، وفي هذا الإطار أقدّم هذا الجهد المتواضع عسى أن يكون لبِنة ومساهمـة جادّة، رغبة في استنهاض الهمم وبعث الأمل والإقناع بضرورة الاهتمام ببناء وصناعة الإنسان.
موروثنـا الثّقافــي زاخـر وافـر وغنـيّ
كم هو جميل أن نغوص في أعماق موروثنا الثقافي والحضاري الزّاخر بالأمجاد والغنيّ بالمآثـر والبطولات، لنستخرج منه اللآلئ والجواهر والدّرر. وكم هو رائع أن نقتفي أثر سلفنا الصالح إذ لا يصلح آخر هذه الأمـّة إلاّ بما صلح به أوّلهـا، وأن نقوم بما يجب القيام به وأكثر. أمّا الجمـود والتحجّر والوقوف على الأطلال، والتغنّي بالأمجـاد والافتخار بها والاستغراق فـي الماضوية، فلسنا معنيين به بالقدر الذي نحن معنيون بصناعة أمجاد جديدة وصفحات مشرقـة أخرى ترتقي إلى ما يتطلّبـه ديننا الحنيف من رفعة وسموّ من جهـة، وما تتطلّبه تحدّيات العصر على مختلف الأصعدة من جهة أخرى. إنّنا لا نريد أن نبقى أسيري تمجيد وتقديس لحظة الماضي وكأنّ مجدنا الرّمزي فعلا منجزا منتهيا، وامتلاك الحقيقة حكرا على الأوّلين دون الآخرين، فالزمن لم يتوقف والعجلة تدور والفرصة التاريخيـة مفتوحة للجميع، والتاريـخ أصلا هو علم دراسة الماضي لتفسير الحاضر واستشراف المستقبل، فمن لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل نعم هذا صحيح، لكن نحن معنيون ومسؤولـون عن اللحظة التاريخيـة التي نحن بصددها الآن.

قال الشاعــر الحكيـم:
إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا  ليس الفتى من يقـول كان أبي
وإذا كان ظاهر التاريخ إخبارا فإن باطنه نظر وتحقيق، واستخلاص عبر ودروس. قال تعالى: "تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون" (141-البقرة) وفي سياق آخر قال تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"(111-يوسف)، وهكذا فالمتنوّر الواعي يتعلّم من ماضيـه ويعيش ويحيا حاضره، ويخطّط لمستقبله.
خـذ للحيــاة سلاحهــا
وبالتالي لابدّ أن تكون عندنا رغبة مُلحّة في النّجاح في الحياة، وأن نذهب إلى الأشياء، وأن نطرح أسئلة جديرة بالطرح، ونخرج إلى الواقع لنكاشفه ونلامسه ونضيف أشياء ونصنع أشياء جميلة، وأن نغير بلطف وبحب وحكمة دون عنف وتشنّج وانفعال، وإلحاق الأذى بالنّفس أو بالآخر.
ينبغي أن تكون أصواتنا قويّـة، وأن نكون قادرين على تقديم خيارات صحيحـة وأفكـار ورؤى صائبة، ومبادرات ومشاريع عملية تُجسّد كإنجازات على الميدان. وقد ثبت في الأثر"المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير." قال الشاعر:
كـنْ قويّا إذا ما وددتَ حياة  فالحياة، الحياة..للأقويــاء
تجربــة حيـــاة
فلنبادرْ ولنقلعْ عن الانتظـار والتسويف، وأن نهجر منطق الافتـراض ونظرية التآمر وتعليق أخطائنا وفشلنا على مشاجب الآخرين. قال الشاعر الحكيم:
يعيب النـاس كلهـم الزمانـا  ومـا لزماننا عيب سوانـا
نعيب زمـاننا والعيب فينــا  ولو نطق الزمان إذن هجانا
أيْ بنيّ إنّ التغيير الحقيقي يحدث من داخل النفس البشرية لا من خارجها، فالبداية مع نفسك التي بين جنبيك تعرّف إليها أوّلا، أنهها عن غيّها، جاهدها، روّضها على اتّباع الحق. قال تعالى:
"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمره فرطا"(28-الكهف)
أعرف الحق تعرف أهله.
احْتذِ بأمثلة من جرّب، واستمع إلى ما خلّده السّابقون الصّالحون من أقوال فإنّها خلاصة أعمارهم وزبدة تجاربهـم. وافتح قلبك وعقلك إلى كل من يؤثّر فيك إيجابيا مادام شرع الله ميزانك. واستفِدْ ممّن لهم بصر بالحيـاة وخبرة بالناس واطّلاع على دقائق المجتمع. واقتربْ من كلّ من له همّة عاليـة ومروءة وعلم وتقوى وحكمة وفهم أصيل واعتدال، ولا تضيّع قوله ولا فعله. اجتهدْ في أن يكون لك أثر، فلكل إنسان وجود وأثر ووجوده لا يغني عن أثره، لكن أثره يدلّ على قيمة وجوده.وكن كالرّجال إذا سُئِل عنهم قيـل: "من هنا مرّوا وهذه آثارهم". فكمْ من شخص مغمور لم يكن شيئا مذكورا، وبرغبته الشديدة في النّجـاح وبإرادته القويّة، وبتوفيق الله أوّلا وقبل كل شيء له، استطاع أن يصبح رقما صعبا متميّزا عن أقرانه وأهل زمانه. فاعملْ وثابرْ واجتهدْ وتحرّ الإخلاص في كلّ ذلك، وتواضع للخلق يحبّوك، واحلم على مخطئهم يجلّوك، وابتسم عند الهزيمة إذْ ليس العيب في أن تفشل أو تسقط إنّما العيب أن لا تنهض، والنّجاح قريب جدا من المداوم على المحاولـة. وغاية كلّ إنسان عاقل واعي مثقّف ذو همّة طموح أن يكون: "رقما صعبا" وأن يصل إلى درجة الامتياز البشري، فكَنْهُ أي كنْ نفسك، وارفعْ زيف التكلّف والتصنّع عنك وستجدْ بداخلك إنسانا جديرا بالاحترام. إسْعَ لامتلاك الأدوات المهنية والفكرية والثقافية، أمّا الأمور اأخرى فشكلية. وماهو ممكن لغيرك فهو ممكن لك. قال تعالى: "فإذا عزمت فتوكّل على الله".(159-آل عمران). قال شاعر الحكمة أبو الطيب المتنبي :
ولم أَرَ في عيوب النـّاس عيباً  كنقص القـادرين على التّمام
أيْ بنيّ قوِّ صلتك بالله، واكثرْ من ذكره بكرة وأصيلا، وردّدْ كثيرا هذا الدّعـاء: "اللّهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ودعـاء: "اللّهم إنّي أسألك قلبا خاشعا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابـرا".راقبْ مولاك في كل حركة وفي كل سكنة، في كل نيّة وفي كل قول أو فعل. قال ابن القيم رحمه الله: "لكل همّة وقفة". أي إذا هممتَ بأمر فانظرْ هل أنت قادر عليه أم لا؟ وهل هو خير أم شرّ؟ ثم هل هو لوجه الله، أم لغير وجه الله؟ وهل هو أمر تقوم به لوحدك، أم تحتاج فيـه إلى من يعينك؟ وليكن هذا ديْدَنُك في كل أمر تُقـدم عليه حتى تلقـى الله وأنت على ذلك، وإذا فعلتَ فابشرْ والزمْ. ولئن تخرج روحك من جسدك، خير لك من أن تقطع صلتك مع مولاك. وقـد ثبت في الحديث الشريف أن:" مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر ربّه كمثل الحيّ والميّت".
هذه صورة عن نفسي وفيْض مشاعري، وحصاد ثقافتي، وثمرة تجاربي، وقد خبِرْتُ الحيـاة ككلّ إنسان حلوها ومرّها، وعرفتُ النّاس خيارهم وأشرارهم، قال الشاعـر الحكيـم:
النّاس أخلاقهـم شتّى وإن جُبِلوا  على تشابه أرواح وأجســـاد
ليكنْ شعارك دائما عند معاشرة الخلق قوله تعالى: " ادفع بالتي هي أحسن"(96-المؤمنون)، وقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلّم: "وخالق الناس بخلق حسن" -رواه البخاري- وقال حسن صحيح.
وارضَ بما قسّم الله لك تكن أغنى النّاس.

قال الشاعـر محمد مصطفى حمام(1):
علّمتنـي الحيـاة أن أتلقّــى  كل ألوانها رضا وقبـولا
أنا راضٍ بكـلّ صنـف من النا  س لئيمـا ألفيتـه أو نبيـلا
لست أخشــى مـن اللّئيـم أذاه  لا، ولن أسأل النبـيل فتيلا
فسّـح الله في فـؤادي فـلا أر  ضى من الحبّ والوداد بديلا
فـي فـؤادي لكـلّ ضيف مكـان  فكن الضّيف مؤنسا أو ثقيلا
ضلّ من يحسب الرّضا عن هوان  أو يراه على النّفاق دليـلا
فالرّضا نعمة من الله لـم يسـ  ـعد به في العباد إلاّ قليلا
علّمتني الحياة أنّ لهـا طعمـ  مين، مُرّا وسائغا معسولا
فتعـوّدت حالتيهـا قريـرا  وألِفْتُ التغييـر والتبديـلا
أيّها النّاس كلّنـا شارب الكـأ  سين إن علقما وإن سلسبيلا
02 صناعــة التفكيـــر
كيف نجح الناجحون وفشل الفاشلون؟
"لماذا يوجد إنسان سعيد وآخر شقي حزيـن؟ ولماذا يوجد إنسان فرح مسرور وآخر بائس كئيب؟ ولماذا هناك إنسان خائف وقلق، وآخر مليء بالثقة والإيمـان؟ ولماذا يحقّق إنسان نجاحا باهـرا، وإنسان آخر يفشل فشلا ذريعا؟" (2)
نجح النّاجحون لأنّهم عرفوا أنفسهم من هم، عرفوا وزنهم حجمهم حقيقتهم محلّهم من الإعـراب ومن الوجود. لأنّهم فقهوا طبيعة دورهم ومهمّتهم في الحياة، نجح النّاجحـون لأنّهم عرفوا للوقت قيمته فاستثمروه إلى أبعد الحدود، لأنّهم رتّبوا ونظّموا شؤونهم الخاصة والعامّة، فهجروا التسرّع والاندفاعية، وطلّقـوا الارتجاليــة وحاربوا



(1) ص 88 جدد حياتك-محمد الغزالي
(1) ص 6 قوة عقلك الباطن- د.جوزيف ميرفي
الفوضوية، نجح النّاجحون لأنّهم اقتنعوا وتبنّوا قِيَماً أصلية فحصّلوا العلم وأتقنـوا العمل واعتمدوا التّخطيط والتّقييم منهجا فأنتجوا وأنجزوا وأبدعـوا. نجح النّاجحون لأنّهم استمدّوا قوّتهم من خالقهم عزّ وجلّ، ومن استقامتهم وحسن أخلاقهم، نعم هكذا نجح النّاجحون.
نعــم للإيجابيــة
"هناك نوعان من الرّجـال: أحدهما به قوّة المغناطيس فهو يتمتّع بالإيمـان والثّقة واليقين، لأنّـه اكتشف كنز الثّروة الذي بداخله"(1). بعد أن تأمّل ذاته وفي الكائنات من حوله وفي عِظَم التّبعـات والمسؤوليات الملقـاة على عاتقه حينها استشعر القدرات الهائلة والطّاقات الرّهيبة التي زوّده بهـاالقـدر، وأنّه بإمكانه أن ينجز الكثير والكثير، وهويعلم أنّه ما وُلِد إلاّ لكي ينجح ويفـوز ويُحْـرِز الانتصار تلو الانتصار ويتحدّى، ويعيد الكرّة عند الفشل ويصبر ويستمرّ ويواصل ولا ينهزم.
قال بهي الخولي رحمه الله في كتابه القيّم "تذكرة الدّعاة": "واعلم يا أخي أنّ كلّ إنسان كائنا ما كان ينطوي على مناجم إلهية من العبقريات العظيمـة، وإمداد من العزائم والهمم، وكنوز من الفضائل التي تنضّر وجه الحياة، وتزدان بها الإنسانيـة، ولا سبيل إلى إثارة هذه المناجم النّفيسـة، إلاّ أن تثيرها باسم الله العليّ الكبير، فاسم الله وحده هو مفتاح هذه الكنوز الربّانية المغلقـة، ولا يضع الله هذا المفتاح إلاّ في يد العبد الربّاني الذي يتخلّق بصفات الربّانية الفاضلة، يجاهد نفسه حقّ المجاهدة ويقمع هواه في غير هـوادة، فيفضي بذلك إلى ما شاء الله من بطولة وتوفيق"(2) فرحـم الله امرءً عرف قدر نفسه، وقدّر ربّـه، وقدٍّ المهمّـة التي خُلِق من أجلها، فسعى لها سعيهـا، فحمل الأمانـــة

(1) ص 6 قوة عقلك الباطن- د.جوزيف ميرفي
(2) ص 80 من أعلام الحركة الإسلامية-المستشار عبد الله العقيل
وأدِّى الرسالة، وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين.
لا للسّلبيــــة
"وأمّا الشّخص الثّاني، فهو يغطّ في سبات عميق، لم يعلم شيئا عن منجم الذّهب الذي بداخلـه، لا
يتوفرٍّ على قوّة المغناطيس الجاذبة.يملأه الخوف والشكوك والتردّد، وتُسنح الفُرص العديدة أمام عينيه فلا يستغلّها ويقول لنفسه: "لا أستطيع"..."ربّما أفشل." هذا النّوع من الرّجال لن يذهب بعيدا، ولن يحقّق إلاّ النّزر اليسير من الإنجازات في حياته"(1) فحاله كحال من قال فيه الشاعر الحكيم:
كالعير في البيداء يقتلهـا الظّمأ  والماء فوق ظهورها محمول
فهو لم يكشف ذاته، ولم يعرف بعد السرّ من وجوده، تقديره لذاته ضعيف بسبب تفكيـره السلبي
ونظرته الدّونية، فهو مقيّد مكبّل، أسير تصوّراته الوهمية إزاء نفسه وإزاء الحياة. قال تعالى: "الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا"(104-الكهف) قال.ج. ميرفي:
ّإنّ كل شقاء وكلّ شرّ يأتي من فهم الإنسان المظلم، ومن جهله وتفسيره الضّال للحياة"(2)
وقال الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه، وهو أحد مؤسّسي مدرسة الوسطية والاعتدال في هـذا العصر: "إنهاّ لجريمة قتل أن ننتمي لهذا الدّين ثمّ لا نحسن فهمه، ثمّ لا نحسن عرضه، ثمّ لا نحسن الدّفاع عنـه" وبعبارة أوضح إنّ جلّ مشكلات النّاس ناتجة عن فهم ساذج وعن خلل في العقيـدة وبالأحرى ضعف في التّوحيد. فكلّ تصوّر خاطئ يورّث سلوكات خاطئـة.

(2) (3) ص 6 قوة عقلك الباطن د- جوزيف ميرفي
لأنّ وراء كلّ سلوك قصد ونيّة، ولذلك قال الصّادق المصدوق صلى الله عليه وسلّّم في الحديث:
"إنّما الأعمال بالنّيات، ولكلّ امرئ ما نوى...". والتصوّر الصّحيح يورّث سلوكات صحيحـة.
ودعني أقول: أنّه ما من محنة أو بلية تنزل بساحتنا إلاّ بسبب خطإ في السّلوك، ناتج عن خطإ في التصوّر والاعتقـاد، وما من مشكلة تصيب إنسانـا ما إلاّ بسبب معصية ارتكبهـا، ما من معصية ارتكبهـا إلاّ بسوء تصوّره. إنسان يتوهّم أن الرّزق يأتيه من معصية، تصوّر واعتقاد خاطئ ينمّ عن جهل فظيع. والأصل أنّه: "ما ترك عبد شيئا لله، إلاّ عوّضه الله خيرا منه في دينه ودنياه" فبالعلم تُزال التصوّرات الخاطئة والعقائد الفاسدة، ومن قرأ بابا في العلم سلِم ونجا وسعِد. ولو نقرأ القرآن الكريم قراءة وتلاوة صحيحة لاكتسبنا تصوّرا صحيحا. فالحرام والمعاصي والشّبهات مدمّرة، من يقترب منها يحترق، لأنّه إذا صحّت عقيدتك صحّ دينك. وما أكثر تصوّراتنا الخاطئة عن الدّين وعن الحياة بصفة عامّة. فانظر كيف كان تصوٍّر الصّحابة لمفهوم الإفلاس أو المفلس. قال لهم رسول الله: "أتدرون من المفلس؟ قالوا:المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس فيكم من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت أخذ من سيّئاتهم ثمّ رُمِيَ به في النّأر." إذن تصوٍّرهم لمفهـوم الإفلاس كان خاطئا لا شكّ، ونحن كذلك اليوم الكثير منّا لا يملك تصـوّرًا صحيحا عن الصّلاة والصّيـام والحجّ، وعن الانفاق وهلّم جـرا..فينبغي أن ننتبه ونتعلّم جيّدا ولذلك ثبت في الحديث الشريف: "من يرِد الله به خيرا يُفقِّهْه في الدّين" إذن نجاحنا فلاحنا أن نملك تصوّرا صحيحا للدّيـن، ولمفاهيم وقوانين الحيـاة وما أكثرها! أنظر المسلميـن اليوم كيف يفهمون الدّين فهما سطحيا ساذجا. التصوٍّر والاعتقاد الصّحيح معناه مستحيل أن تعصيه وتربـح، وبالمقابل مستحيل أن تطيعه وتخسر. للأسف الشّديد الكثير ممّن يملكون تصوّرا خاطئا عن حقيقة دينهـم. تصوّروه شعائر تعبّديـة فقط، الدّين عندهم شعـارات، فصلوا الدّين عن السّلوك، فهموه عبادات فقط ما فهموه ورعاً وخشيةً وأمانةً. وهذا شاهد من السّيرة على سبيل المثال لا الحصـر: "تخلّف الصّحابي الجليل كعب بن مالك عن الجهـاد ومعه نفر كثير من المنافقين اعتذروا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقبل أعذارهـم، أمّا كعب فقد كان بإمكانه أن يفعل –وخاصّة وقد أوتي جدلاً (قوّة إقناع) كما يقول عن نفسه- لكن لصدق إيمانه أبى بل اعترف بخطئـه، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "أمّا هذا فقد صدق" إذن فصحّة التصوّر والاعتقاد أساسه التّوحيد.
كمــا تفكــر تكــون
وقبل أن تنطلق عليك أن تتحرّر من كلّ القيـود والخلفيات المسبقـة، وأن تترك الخوف الوهمي وكثرة الشّكـوك، والتنصّل من الفِكَر السّلبيـة التي تولّد بدورها مشاعر سلبيـة، وأن تكنس كل الرّواسب العالقة والمخزّنة منذ أمد بعيد. فالأصل في حياة الإنسان الإيجابية إنْ على مستوى التّفكير أو المشاعر أو السّلوك. فمن عنده فشل أو تعاسة أو خوف فليركّز على عكسه، وبعبارة أوضح أن يُقبل على ما يريد لا على ما لا يريد. وأنْ يغيّر طريقة تفكيـره بكسر النّمط الدّائـري الذي طالما سبّب لصاحبه إخفاقات وإحباطات بل وأمراض دون أن يشعر، ولذلك قيل: "غيّر أفكارك كي تغيّر مصيـرك" فإذا فكّرت في الخير فسوف يتدفّق الخير، وإذا فكّرت في الشرّ فسوف ينتج الشرّ، والمثل العربي يقـول: "تفاءل بالخير تجده"، فالإنسان هو: ما يفكّر فيه طوال النّهار، ولأمر ما قال أحد الفلاسفـة: "أنا أفكّر أنا موجود" قال الشيخ الغزالي: "كما قال الإمبراطور الرّوماني "ماركوس أوراليس": "إنّ حياتنا من صنع أفكارنـا". وعليه إذا نحن ساورتنا أفكار سعيدة كنّا سعداء، وإذا تملّكتنا أفكار شقيّة غدونا أشقيـاء، وإذا خامرتنا أفكار مزعجة تحوّلنا خائفين جبناء، وإذا تغلّبت علينا هواجس السّقم، والمرض، فالأغلب أن نبيت مرضى سقماء. وهكذا..."(1) قـال "ديل كارنجي": "إنّ أفكارنـا هي التي تصنعنا واتّجاهنا الذّهني هو العامل الأوّل في تقريـر مصيرنا" وقال "إيمسون": "نبّئني ما يدور في ذهن الرّجل، أنبّئك أيّ رجل هو"(2)
وقـال الشيخ الغزالي دائما: "واعتقادي الجازم أنّ المشكلة التي تواجهنا هي: كيف نختار الأفكار الصّائبة السّديـدة؟ فإذا انحلّت هذه المشكلة انحلّت بعدها سائر مشكلاتنا واحدة إثـر أخرى"(3).
إنّ الطريق للخلاص من الظلمة هو النور، وطريقة التغلب على البرد بالحرارة، وطريقـة التغلب على الأفكار السلبية باستبدالها بأفكار طيبـة، أكّدْ على النية الطيبة تختفي النية السيئة.
والحلّ أن تفضفض وتخرج كلّ الوساوس والمشاعـر السّلبية التي تملأ نفسك، وتضع نصب عينيك هدفا واحدا وهو: أن تتغلّب على نقائصك لترتقي في سلّم الكمال البشـري وإلاّ فلا تحسّن. تخيّلْ نفسك سعيدا متألّقـا رابط الجأش مُعافى وستكون كذلك، والعكس صحيح. فالسّعادة فكرة والشّقـاوة فكرة وكلّ التّجارب النّاجحة بدأت بفكرة.





(1)(2)(3) ص 106- 107 جدد حياتك- محمد الغزالي
 حاجتنا إلى التّربية والثّقافة كحاجتنا للهواء.
ويستطرد صاحب كتاب "جدّد حياتك" قائلاً: "...والنّفس وحدها هي مصدر السّلوك والتّوجيه حسب
ما يغمرها من أفكـار، ويصبغها من عواطف. إنّ ارتفاع الإنسان في مدارج الارتقـاء الثّقافـي والكمال الخلقي يغيّر كثيرا من أفكاره وأحاسيسه، ونحن نستطيع أن نصنع من أنفسنا مُثلا رائعـة إذا أردنا، وسبيلنا إلى ذلك تجديد أفكارنا ومشاعرنا، كما تتجدّد الرّقعة من الصّحراء إذا انضاف إليها مقدار ضخم من المخصّبات والميـاه. إنّنا نتحوّل أشخاصا آخرين كما تتحوّل هذه الصّحراء القاحلة روضة غنّـاء".
ويسـرد الشيخ محمد الغزالي في كتابه "جدّد حياتكّ عن "ديل كارينجي" قصّة شاب نهكته العلّة فرحل يطلب الصحّـة، وكان أبوه يعلم طبيعة مرضه، وأنّ سقامه جاء من توعّك مزاجه، وغلبة أوهامه، فكتب إليه أبوه يقول لـه: إنّ الشّيء الوحيد الذي هو مصدر كلّ ما تعانيه هو نفسك، لا آفة بجسمك أو عقلك، فالذي تردّى بك هـو: العوج الذّهني الذي واجهت بـه تجاربك، وكما يفكّر المرء يكون، فمتى أدركت ذلك تكون قد شفيت". وقد صادف أن مرّ هذا الفتى عن كنيسة فدلف إليها يستمع إلى موعظة دينية تحت عنوان: "هذا الذي يقهر نفسه أعظـم من ذاك الذي يفتح مدينة". يقول الفتى معلّقا عن نفسه: "وكأنّما كان جلوسي واستماعي للموعظة، وإنصاتي للأفكار التي تضمّنهـا الخطاب، وكأنّهـا خطاب أبي يُقال بصيغة أخرى، فمسح الإضطراب الذي طغى على عقلي ووسعني في تلك اللحظة أن أفكّر تفكيرا متّزنا في حياتي، وهالني إذ ذاك أن أرى نفسي على حقيقتها.
نعم رأيتني أن أغيّر الدّنيا وما عليها، في حين أنّ الشيء الوحيد الذي كان في أشدّ الحاجة إلى التغيير هو: تفكيري واتّجاه ذهني، هو نفسي(1) ويعلّق الشيخ محمد الغزالي رحمه الله على هذه القصّة بقوله: "والإسلام كسائر رسالات السّماء، يعتمد في إصلاحه العام على تهذيب النّفس الإنسانية قبل كلّ شيء، فهو يصرف جهودا ضخمة للتّغلغل في أعماقها، وغرس تعاليمه في جوهرها. فلا ينبغي أن نذهب بعيدا، ونهدر جهودا من غير طائل." (2)
قــال الشّاعــر:
عليك بالنفس فاستكمل فضائلهـا  فأنت بالنفـس لا بالجسـم إنسان
وقــال آخــر:
وإذا كانت النّفوس كبارا  تعبت في مرادها الأجســـاد
فلنكتشف كنوزا عظيمة في أنفسنـا، وسنرى جوانب مشرقة وارفة ظلالها، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها. اسألْ نفسك كم كتابـا قرأتَ؟ وكمْ مجلّة تفحّصتَ خلال السّنوات الأخيرة أو خلال هذه
السّنـة أو هذا الشّهـر على الأقل في تخصّصك أو كثقافة عامّـة؟ كمْ لغة تُجيد؟ هل تتقن مهارة
الإعلام الآلي؟ّ.هل تتعاطى الأنترنت؟ كم جزءا من القرآن تحفظ؟ والحقيقـة تُقال أنّه مالم نُكثر من القراءة والمطالعة ومالم نستمتع بها فلا نُعدّ في عداد القارئيـن، فالعلم بحر عميق واسع شاسع وخاصّة في عصر الانفجار المعرفي المعلوماتـي الذي نعيشه اليوم فينبغي أن نغرف منه مااستطعنا، وإليك نموذج رائع لمثقّف مُدمن على القراءة لعلّك بمقولته هاته تعتبر !سأل أحدُ الصّحفيين أستاذا جامعيّا: ماذا تقرأ الآن؟ فأجابه: " قد لا تصدّق لو قلت لك أنّني أكون أتعس النّاس



(1)(2) ص 108- 109 جدد حياتك- محمد الغزالي
إذا كنتُ بعيـدا عن القراءة، بل الأكثر من ذلك أنّني وأنا بعيد عن القراءة أشعر أنّني أدخل عالـم اللاّشيء. فالقراءة بالنّسبة لي هي المنفى والملكوت وهي المسكن والمهرب في آن واحد"(1).
ولأمر ما خاطب الله رسوله الكريم في أوّل ماخاطبه به "إقرأ" وقد ثبت في الأثر: "أطلبوا العلم من المهد إلى اللّحد"، "اطلبوا العلم ولو في الصين."
متعـة العمـل وبـذل الجهـد
فالحياة دار عمل وابتـلاء، أمل وألم، فهل هناك طريق بلا منعرجـات؟ فكيف تكون حيـاة بدون ابتلاءات؟ ولو أنّ كلّ مؤمن نظر وتأمّل أحواله لردّد في نفسه مقولـة الرّجل الصّالـح: "...ولئن ابتلانا قليلا فقد عافانا كثيرا"، قال تعالى: "تبارك الذي بيده الملك وهو على كلّ شيء قدير، الذي خلـق الموت والحياة ليبلوكـم أيّكم أحسن عمـلا"(1-الملك ) وتلك لعمري سنّة الله في الخلق. وعليناأن نخوض غمارهـا بتفاؤل وإيجابية لبناء مستقبل زاهـر، فنحن لم نخلق لنعيش تعساء أشقيـاء. قال تعالى: "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"(1-طه)، بل لنأخذ زينتنا ونسيح في الأرض ونمشي في مناكبها ونستمتع بكل طيّب من الرّزق، ونشيع ثقافة الحياة والأمل والحبّ والرّحمة والتّسامح، والتّنمية والبناء والإعمار، لا ثقافة وصناعة الموت والحقد والعداوات والهدم والتّكسير، ونمدّ جسورا للتّعاون والتّواصل والحوار. مع العلم أنّ الذي يجمعنا أكثر بكثير من الذي يفرّقنا، وأنّ الذي يسعدنا أكثر بكثير من الذي يشقينا.



(1) الدكتور عبد الله حمادي-أستاذ جامعي ورئيس اتحاد الكتاب الجزائريين سابقا
فكلّ شيء تفكّر فيه وتميل إليه وترغب فيه وتهتمّ به، وتركّز عليه وتوليه من العناية والاهتمام والجهد والوقت تُنتج فيه بل تبدع. إنّه مبدأ أو قانون في الحيـاة أشار إليه الدّين، وأكّـده العلم وأثبتته التّجربة. وقد ثبت في الحديث الشريف: "إنّ الله يحبّ أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه".
فإذا كانت لديك رغبة وسنحت لك الفرصة، وتوفّرت لديك القدرة اللاّزمـة تصبح المعادلة(رفق)
متكاملـة وقابلة للتّنفيذ فلا تتردّد. فإنّ الفرصة إذا لم تُستغلّ وتُستثمر تُصبح غصّـة. ركّزْ على الإيجاب على ما تستطيع تحقيقه، اجعلْ مُتعتك في عملك، فطاقة الحبّ تولّد الرّزق والنّجاح. تمتّعْ براحة البال والانسجام والصّحّة والهـدوء. تذكّرْ أنّ الثّروة الحقيقية تقبع في داخلك وكيانك، في عقلك وقلبك وروحك. ضلّ من يعتقد الرّزق في الأموال فقط، فالعافية رزق والعلم رزق، والنّجاح رزق والذريّة رزق وعافية أبدانهم وعقولهم رزق وصلاحهم رزق وهكذا .... قـال تعالـى: "ومابكم من نعمة فمن الله." (53-النّحل) وقال أيضا: "وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها."(34-ابراهيم). فالإنسان منغمس يتقلّب في نعم من الله وأفضال لا عدّ لها ولا حصر، بحيث حيثما يلتفت وكيفما يفكّر يجد نعمة سابغة.
قـال تعالـى: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض" (20-لقمان) فاشكرْ واهب النّعم يزدك، واتقنْ عملك يحبّك.
03 فقـــه النجــاح.
كيف تؤكـل الكتـف ؟ ومـن أيـن تؤتـى البيـوت ؟
واعلـمْ أنّ تحقيـق النّجاح والظّفـر بالسّعـادة، والوصول إلى راحة البـال والاطمئنان القلبي والنّفسي ممكن جدّا وليس بمستحيل، فقط عليك أن تعـرف من أين تُؤكل الكتف؟ وتُؤتى البيوت؟ فأنت اليوم حيث يوصلك تفكيـرك ومواقفك وأعمالك، وأنت غدا كذلك. فسِرْ مع أصحاب الهمـم العاليـة، ولا تزهد في طلب العلم والاستزادة منـه فإنه مفتـاح النّجاح فلا تضيّعه ولاتقصّر ولا تتهاون في تحصيله. قال ابن القيم رحمـه الله: "من قضى عصـر الشّباب في طلب العلـم وتحصيلـه، فإنّه في زمن الشّيخوخة يجني ثمر ما غرس ويلتذّ بتصنيف ما جمـع." وانظرْ إلى النّاجحين من حولك واحْذُ حذوهم. الفاشل يقـول: النّاجح محظوظ. لكن هذا الأخير صنع نجاحـه بيـده. فالنّجاح قد يأتي صدفة أووراثة وهو استثناء، لكن الأصل فيه أنّه يبنى لبنة لبنة حتى يبلـغ تمامـه. فالنّاجحون لا يؤمنون بالحظّ وبالكرامات والصّدفة، بل يشتغلون بالتخطيط وبذل الجهد والعرق. وقديما قالوا:" من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة." ولا بدّ من التدرّج والمرحلية، وعدم حرق المراحل، والاصطدام مع النّواميس الكونية والطبيعية فالعجلة من الشّيطان، وأهمّ من أن تتّجه بسرعة أن تتّجه الاتّجاه الصّحيح، فالتسرّع لا يأتي بخير، ولذلك ثبت في الحديث الشريف: " إنّ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" وكلّ من خَبِرَ الحياة يعرف أن من يصعـد بسرعـة يسقط بسرعة.واصلْ طريقك واجتهدْ فإن أهمّ ما يميّز النّاجحين الاجتهاد. ولا تتراجع مهما كانت الصّعاب والعقبات التي تعترض طريقك، فإنّ الشّخص النّاجح هوالذي يمكنه أن يضع أساسـا ثابتا من الحجارة التي تُلقى عليه. فما أجمل الصّعود نحو القمّة! قـال أبوالطيب المتنبي :
إذا غامرتَ في شرف مروم  فلا تقنع بـما دون النّجــوم
لا للفهـم الأعـوج والفقـه الأعـرج.
الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهـوا. وقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- لابن عباس رضي الله عنه فقال: " اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل"
والفقـه لغـة: العلم بالشّيء، والفهم له. يُقال تفقّه الرّجل أي تعلّم الفقه وتعاطاه، أي العلم بالأحكام الشّرعية من أدلّتها التّفصيليـة، ومن معناه أيضا: الحذق والفطنة. والفقيه من كان شديد الفهم عالما ذكيّا. قال تعالى:"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم"(166-التوبة)
وفي العلوم الشّرعية نجد فقه العبادات وفقه المعاملات وفي العلوم القانونية الفقه القانوني، وفي العلوم السّياسية الفقه السّياسي وفي علوم التربية الفقه التّربوي وهكذا...الخ) إذْ لا يخلو مجال من مجالات الحياة من علم خاصّ به. فالزخم العلمي والتّراكم المعرفي والتقدّم التّكنولوجـي قد بلغ مبلغا لم يكن يخطـر على قلب بشر. وكم نحن في حاجة ماسـّة إلى فقـه ديننا ودنيانا، فقها سليما على يد علماء عـدول ثقاة، مشهود لهم بالخيرية والصلاح، والوسطية والاعتدال، ومنهم على سبيل المثال لاالحصر في عصرنا هذا العلمـاء والدّكاترة أمثال الشيخ يوسف القرضاوي، ومحمد سعيد رمضان البوطي، الغزالي رحمه الله، عصام البشير، محمد راتب النابلسي، محمد الهادي الحسني، محمد حسّان، محمد سليم العوّا، طارق السويدان وغيرهم كثير، خاصّة ونحن في زمن قد اختلطت فيه المفاهيم والمصطلحات، وشـاع فيه الفهم الأعوج والفقه الأعرج، وانتشر فيه الغلوّ في الدين، والتطرّف في الفكـر والسلوك. وهو أمر ممجوج مرفوض في كل صوره وأشكاله وجوانبه ليس في الدّين وحـده، بل في كلّ مظهر من مظاهر الحياة.
وما تعيشه الأمّة اليوم من محن وفتن وبأس شديد بين أبناء الملّة الواحدة حيث وصل الأمر إلى حدّ التصفية الجسدية والاقتتـال، الذي طالما نهانـا عنه نبيّنا صلّى الله عليه وسلّـم: "لاترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض." الحديث متفق عليه. إذن بالإيمان العميق والفهم الدّقيق والعلم الصحيح والعمل المتقن المتواصل، بالاستمـاع لهؤلاء العلماء الأعلام وأمثالهم وهم كثر على الساحـة مـن الدّعاة والمثقفين ورجال الفكـر والأساتذة والإعلاميين المتنورين، وبأخذ العلم عنهم ونشر فكرهـم المعتدل نتفادى كل الانزلاقات والانحرافات، ونشقّ طريقا نحو البناء والتّعميـر والتّقدّم والازدهار. إنّه الفهم الصحيح للدّين وللحياة معا الذي يتوجب علينا أن نورّثه لأبنائنا وللأجيال الصاعدة.
النّجــاح فـي الحيـاة
ولنصنع النّجاح لابدّ من فقهه أوّلا، ومن وقفة تأملّ ثانيا، وبعد هذا وذاك تكون الانطلاقة الجـادّة الواعية المبصرة بإذن الله تعالى. وعليه دعوني أفصّل لكم هذه المفردة وهذا المفهوم والمصطلح الذي تردّده كل الشّفـاه ويرغب كلّ إنسان - بغضّ النّظر عن دينه وثقافتـه وجنسـه- ويسعى للوصول إليه والتّحقق به. قال أحد المتخصّصين في البرمجة اللغويـة العصبيـة: "إذا أردتَ أن تكون طبيبا فقمْ بدراسة الطبّ، وإذا أردتَ أن تكـون مهندسـا فقمْ بدراسـة الهندسة، وإذا أردتَ أن تكون ناجحا فقمْ بدراسة النّجاح."(1) ولكن أيّ نجاح؟ هل هـو النّجاح الدّراسي؟ أوالمهنـي؟ أم هوالحصول على الشّهادات والارتقاء في سلّم الدّرجات العلمية والأكاديمية؟
هـل النّجاح أن تبني بيتا وتكوّن أسرة وتكسب سيارة وتملك رصيدا ماليا ضخما ومشاريع منتشـرة هنـا وهناك؟ أعتقد أن النجاح هو هذا وأكثر وأعظم منه هـو: أن تفهم ذاتك من أنت؟ وأن تكون لك رؤيـة ودور ورسالة تؤديها بصدق وإخلاص وتتفانى في خدمتها.النّجاح أن تكون لحياتك قيمة ومعنى ودلالة، النّجاح أن تطوّر في مستواك المعرفي والفكري والثّقافي. أن تنجح على مستوى العلاقات، وعلى مستوى العطاء والإنجاز.

(1) قول في البرمجة اللغوية العصبية- ابراهيم الفقي
وأعظم نجاح على الإطلاق: أن تنجح مع الله عزّ وجلّ وهو رصيد أعزّ وأغلـى من كلّ الثّروات التي تملكها، ثبّتْْ هذه الإنجازات في داخلك وإلاّ فما قيمة أن تربح الدنيا بأكملها وتخسر الآخرة ؟ قـال تعالـى:" وللآخرة خير لك من الأولى" (4-الضحى).
فالكيّس يختار التي هي خيْر وأخْلدْ وأبقى ويؤثرها على الفانية الزّائلـة. قـال الصحابي الجليل علي ابن ابي طالب- كرّم الله وجهه- ورضي الله عنـه: "طوبى لعبد اتّقى فيها ربّه ونصح نفسه من قبل أن تلفظه الفانية الى الباقيـة فيصبح عظاما نخرة لا يستطيع أن يزيد في حسنـة، ولا أن ينقص من سيّئة، فيُحشر فيُنشر فإمّا الى جنّة يدوم نعيمها، أو الى نار لا ينفذ عذابها." فالغاية من إنزال الكتب وبعث الرسل وتشريع الشّرائع: إسعاد من يستجيب من البشر للدّين الحقّ في العاجل والآجل، أي النّجاح في الدّنيا والفلاح في الآخـرة.
والنّجاح المتوازن أمر محمود ومرغوب فيه شرعا وعقلا. فإن لنفسك عليك حقّا، ولربّك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقـا، ولأمّتك عليك حقا، فاعطِ كلّ ذي حقّ حقّـه دون إفراط أو تفريـط.
فالاتّزان، الاتّزان، والاعتدال، الاعتدال، وخير الأمور أوسطها.
النّجاح بدايتــه فكــرة
النّجاح الذي نحصل عليه ينطلق من خلال فكرة نصنعها نحن، ونمضي في تحقيقهاعلى أرض الواقـع. قلْ فكرتكَ بعد أن ُتعْملهـا في ذهنك، تحدّثْ بها ثم اكتبها، ثم خطّطْ لتنفيذها ثمّ انطلقْ بعزيمة ستحقّق ذاتك، ستصل إلى ما تريـد، ستكون كما تريد. اعلـمْ أن بلوغ الغايـات السّاميـة وتحقيق المقاصد النبيلة لا يتأتّى إلاّ ببذل الجهد والتّشمير على ساعد الجـدّ والصّبر على تحمّل مشـاقّ الطّريق. ألا إنّ سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنـّة.

بيـن النّجـاح الشّكلــي والنّجـاح الحقيقــي
هل هـو التّكاثر والجري وراء جمع الأمـوال من حلّ ومـن غير حلّ وبأيّ وسيلة؟ والحرص على التّكديس والتّجميع والمفاخرة والمباهاة؟ قال تعالى:" ألهاكم التكاثـر حتى زرتم المقابـر، كلاّ سـوف تعلمون، ثم كلاّ سوف تعلمـون"(1،4-التكاثر) أم هواللّهث لإرواء الشّهـوات وارتكـاب المنكـرات ونهب الممتلكـات بدعوى الحريّة والقوّة والبطولـة؟ أم هو السّعي لنيل الشّهـرة والنّجومية وتصدّر المجالس، وأن يُشار إليك بالبنان؟ أم هو استغراق العمر كلّه في اكتناز الثّروة وبناء الدّور وتشييـدها والتفنّن فيها، واقتناء السيارات الفاخرة آخر موضة والتباهي بهـا؟ ولا ينبغي أن ُيفهم من كلامي هذا أنّني أنتقد كلّ مسعى لطلب المال وكسبـه وأنتقص من شأنـه، كلاّ وألف كلاّ لأنّ من انتقد شيئا افتقـده فالمـال عصب الحياة. " نِعْم المال الصّالـح في يد الرّجل الصّالح " كما ثبت في الأثـر. قـال تعـالى:"يابني آدم خــذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"(31-الأعراف) وقال أيضا:"قلْ من حرّم زينة التي أخرج لعباده والطيّبات من الرّزق"(32-الأعراف)
هنـــا يكمـن الــدّاء
فالخلل ليس في جمع المـال ولكن المبالغة في الاهتمام به، ونسيان الآخـرة، أو كسبه من غير حلّ، وإنفاقه في غير أوْجه الخيـر. الانحراف يحدث عندما يصبح الدّينـار والدّرهم أكبر همّنـا ومبلغ علمنا، حينما تتربـّع الدنيـا على سويداء القلوب. هنا يكمن الخطر ولذلك ورد في الدّعاء: " اللّهم اجعل الدّنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا." وقد أشار القرآن الكريم إلى مثل هذا المحظور في قوله تعالى: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما، قل ما عند الله خير من اللّهو ومن التّجارة، والله خير الرّازقين"(11-الجمعة) وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قـال:"تعس عبد الدّينار وعبد الدّرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعطى سخط، تعس وانتكس...". قـال رسول الله صلّى الله عليه وسلـّم: "ألا

بوراس بوعلام
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 203
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 25/11/2008
العمر : 39

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://soukahras.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: صناعة الذات " عماري جمال الدين

مُساهمة من طرف بوراس بوعلام في 2012-04-20, 1:31 pm


عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قـال:"تعس عبد الدّينار وعبد الدّرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعطى سخط، تعس وانتكس...". قـال رسول الله صلّى الله عليه وسلـّم: "ألا إنّ الدّنيـا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون. فاتّقوا الدّنيا واتّقوا النّساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء..."رواه أبو سعيد الخذري. الإشكال يحدث عندما ننتصر لذواتنا وأشخاصنا ونؤثر المصلحة الشخصية على المصلحة العامّة، على القيّم والمبادئ التي طالما آمنّا بها ودعونا إليها، وبذلنا الغالي والنّفيس للإقناع بها. فلنحـذرْ شهوات النّفس الخفيّة كحبّ الظّهور والبحث عن الأضواء والشّهرة والمجد،والأنانية المفرطة ممّا يجعلنا ننحرف عن السكّة، فمزيد من التّربية والثّقافة وتعميق الوعي.

وهنــا العـــلاج

فالقيم الحقيقية لا تتمثّل في المال والجاه والسّلطان، أو في الانكباب على لذائذ الدّنيا ومُتعهـا فهذه كلّها قيم زائلة زائفة، والإسلام لا يحرّم الطيّب منهـا ولكنّه لا يجعل منها غايـة لحيـاة الإنسـان. القيم الحقيقية أن تعي ذاتك، وتعرف ربّك حقّ المعرفـة، وتتفقّه في دينك، وتفهم الحياة من حولك وأن تنهج النّهج الصّحيح، وتسلك الطّريق القويـم وتتحلى بالأخلاق الفاضلة، وحينها تدرك قيمة المال في سلّم القيم. وأنّه وسيلة لاغاية، صحيح المال نعمة من نعـم الله فحبّ التملّك غريزة مركوزة في جبلة كلّ إنسان ولا يكره المال إلا شخـص مختلّ العقل، فكون المال من أعظم نعم الله أمر لا يختلف فيه اثنان،بل المال عصب الحياة وهو وسيلة وسبيل إلى السعادة والجنّة إنْ أُحسن استعماله، فكثير هم أصحاب الدّثور والأجور قديما وحديثا، فكن واحدا منهم.

نجـــاح موهـــوم
ولا أعتقد أن متلبّسا بحـرام ظالما لنفسه معتد على غيره -منتهكا لحدود الله من لا يأبـه ولا يشعر بخـزي وهو يتعامل برشـوة، أو أخذ أموال النّاس بغير حقّ– بإمكانـه أن يحقّق نجاحـا حقيقيّا وأن يتذوّق طعم السّعادة، ولو بلغت أمواله وممتلكاته وعقاراته عنان السّماء وإن عَدّ نفسه في عداد النّاجحين فهو موهوم وفي داخله مهموم، وهيهات هيهات لنجاحه أن يدوم. قال تعالى: "أيحسبون أنّما نمدّهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون."(55،56-المؤمنون).
إنّ ما نلاحظه عليه وهو يمتطي أرقى أنواع السيارات ويضحك ملء فيه ويتقلّب في النعم، فإذا لم تكن هذه المواقف في طاعة الله فإنّها مجرّد طقوس وأشكال وتعبيرات خارجيـة لم تصدر عن الأعماق، وفي داخله صراع وقلق وتمزّق نفسي لايعلم مداه إلاّ الله عزّ وجلّ.
القـرآن الكريـم يوضّــح
قال تعالى:" ألم ذلك الكتاب لا ريب، فيه هدى للمتقيـن، الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصّلاة، وممّا رزقناهم ينفقـون، والذين يؤمنـون بما أنزل إليك، وما أنـزل مـن قبلك، وبالآخرة هـم يوقنون، أولائك على هدى من ربّهم، وأولائك هم المفلحون"(1، 5-البقرة)، وقـال تعالـى :" فمن زُحزح عن النار وأُدخل الجنّة فقد فاز، وما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغـرور" (185-آل عمران)
النّجاح الحقيقي هو: فهم الذّات والحياة من حولك، وتبنـي المبادئ والقيم الصحيحة، والالتـزام بالمنهج الصّحيح، والحرص على عدم التناقض مع هذه المبادئ والمثل التي آمنت بها. هـذا الذي يوصل إلى الفوز الحقيقي، ويورث السعادة الحقيقية. فاعمل ما يجب عمله واترك ما يجب تركه، وستجد أنك تتسلّق سلّـم النّجاح فهو بين يديـك، لا تبحث عنه بعيدا، لا تستصغر شأنك وقيمتك فأنت بإمكانك أن تكون ما تريد، وما تطمـح إليه، فلا تتردّد ولا تتأخّر.
لا نجـــاح بـدون تخطيـط وتنفيـذ وتقييــم
تعلّم أبجديات مفهوم النّجـاح، تعرّف على قطار التغيير من أين ينطلق؟ وأين يتّجه؟ ومن يقوده؟ وبصحبـة من؟ وكيف يسير؟ وماهي المفاتيح والوسائل والأدوات وكلّ المعطيات اللاّزمة؟ وماهي المراحل والمسافات التي يتوجّب قطعها؟ وما الأهداف والخطّة المناسبة من أجل السّعي لتحقيـق الرّؤية الحلم وأداء الرّسالة. وكي تنجح بادرْ إلى رسم رسالتك في الحياة، واسْعَ جاهدا لتجسيـدها على أرض الواقع. ابـدأْ الآن، شَخِّص أوضاعـك، أنجز الخطّة، أكتبها، وعند السّعي لتنفيذهـا وتطبيقها تأكّد أن عوائق كثيرة ستعترض طريقك وتنقص من مدى فاعلية ما خطّطتـه، فلا تقلق كنْ صبورا مرنا واحسنْ التصرّف والتكيف مع المواقف، فما هو ممكن يُنجز الآن وماعـدا ذلك يُؤجّل أو يُعدّل أو يُعوّض. قيّمْ إنجازاتك، لأنه إذا كان التّخطيط مُهِمّاً فالتقييم لا يمكن الاستغناء عنه. إذن حرّكتك باتّجاه التغيير تستلزم وتتطلّب تحقّق المعادلة التالية (تخطيط، تّنفيذ، تقييم.)
هــذا الطريــق فمــن السّــالك ؟
كم مرّة يقرأ المسلم سورة الفاتحة في صلاته؟ وكم مرّة يـردّد هذه الآيـات؟ " ...اهدنا الصّراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضّالين."(1، 7-الفاتحة) أكيد يفعـل ذلك مرّات ومرّات. فما الصّراط المستقيـم؟ لا أقـول في السّورة نفسها توجـد الإجابة بل في الآية نفسها. نعم إنه الصّراط المستقيـم، صـراط الذين أنعم الله عليهم بنعمة الهدايـة من النّبيين والصدّقيـن والشّهداء والصّالحين، ومن سار سيرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدّين. وهل هناك أكبر وأجلّ من نعمة الهداية إلى الصّراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف؟ قـال تعالى: "قل إنّني هداني ربّي إلى صراط مستقيم، دينا قيّما ملّة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا من المسلمين" (161، 163-الأنعام) وقال: " وقالوا الحمـد لله الذي هدانا لهذا، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رُسُلُ ربّنا بالحق."( 43-الأعراف ) وقال: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتد..."(90-الأنعام) لا يوجد في قاموس المسلم مثل هذه الهرطقـات المعبّرة عـن التّيه في صحاري المجهـول "...جئتُ لا أعلم من أين ولكنّي أتيتُ، وطريقي مـا طريقي، أطويل أم قصير؟ لست أدري." بل الأمور أوضح من الشّمس قـال تعالى:" لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا." (48-المائدة) وقـال: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتّبعني." (108-يوسف) وقال تعالى: "الم ذلك الكتاب لا ريب، فيه هدى للمتّقيـن." (1، 2-البقرة) والآيات والأحاديث النّبوية كثيرة، وحسبنا سورة الفاتحـة فاقرأها وتدبّر معانيها جيّدا وتأمّل، تستمتع بنفحاتها المباركة وترتوي من نبعها المتدفّق الفيّاض، وتستلهم بعض أسرارها بما يَفتحِ اللهُ عليك من قبسات أنواره ودقائق أسراره. قـال تعالـى:"ومن يؤمن بالله، يهدِ قلبه."(11-التغابن) وقد ثبت في الحديث القدسـي عن ربّ العزّة أنّه قـال: "وعزّتـي وجلالي لو سلكوا إليّ كلّ طريق، واستفتحوا كـلّ باب مافتحت لهـم حتّى يأتوا خلفك يا محمد." فالطّريق معبّدة، محدّدة معالمه، معلومة مواصفاته منذ الأزل لا يزيغ ولا يحيـد عنه إلاهالك وهذا بشهادة القرآن الكريـم قال تعالى:"ومن يبتغِ غيرالإسلام دينا فلن يُقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين."(85-آل عمران)
الاهتـداء إلـى الحـق يعصـم مـن الـزلل والانحــراف
ومن أجمل ما قرأت للشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليـه قولـه:" وجدير بالإنسـان في عالـم استوحش فيه الحقّ على هذا النّحو، أن يجتهد في تحرّيه وأن يلتزم الأخذ به، وأن يرجع إليه كلّما بعّدته التّيارات عنه. ولعلّ هذا هو السرّ في أنّ الله طلب إلى كلّ مؤمن أن يسأله الهدى، وكلّفه ألاّ يسأم من تكرار هذا السّؤال حينا بعد حين. ففي كلّ صلاة مفروضة أو نافلة يقف المرء بين يدي ربّه يقـول: "اهدنا الصّراط المستقيـم، صراط الذين أنعمت عليهم، غيرالمغضـوب عليهم ولا الضالين." ما هو هذا الصّراط المستقيم؟ إنّه ليس سكّة مطروقة في إحدى البلاد، ولا جسرّا مضروبا هنـا أو هناك. إنّه المنهج الذي يشقّه المرء لنفسه بين مشكلات الحياة، والخطّ الذي يتلمس فيه الصّواب بين وجوه الرّأي. وكلّما استمسك المرء بعرى الاستقامـة واستكشف الحقّ فيما يُعرض له من مسائـل اليوم والغد فإنّه يكون أدنى إلى التّوفيق، إذ الخطّ المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين، وصاحبه أبعد عن التخبط في شتى المنحيات والمنعرجات.على أنّ الإهتداء إلـى الحقّ والثّبـات على صراطه يحتاج إلى جهد ودأب، ويحتـاج كذلك إلى استلهام طويل من عنايـة الله...وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزّ به أمر جنح إلى الصّلاة يضمّ إلى عزيمته وجلده حول الله وطوله. وقد يخبط المرء في الدّنيا خبط عشواء، وقـد يصحبه خداع النّظر في تقديره للحقائق المحيطة به، ومعنى التصوّر الغلط للأشياء أن ينتقل المرء من ضلال إلى ضلال وألاّ يحسن السّلوك بإزاء أي واجب يُناط به أو أزمة يقف أمامها. فليستخدمْ الإنسان فكـره وحواسّه فـي تعرّف ما حوله، وليقرّر خطّة سيره بعيدا عن الظّنون والتخرّصات".
وعليه فلندرسْ مواقفنا في الحياة بذكـاء، ولنرسم منهاجنا للمستقبل علـى بصيرة، ثمّ نمضي بصدورنا للأمـام لا تثنينا عقبـة ولايلوينـا توجّس."(1)
أي بنيّ لا تجنح عن الهـدى النّاطق الواضح المبين. فإنّه كما قال تعالـى:" فمن كفر بعد ذلك منكم فقـد ضلّ سواء السبيل."(12-المائدة) وقـال تعالى:"ويوم يعضّ الظّالم على يديه، يقول ياليتني اتّخذت مع الرّسـول سبيـلا."(27-الفرقان) فانتبهْ حتى لا تتنكّب الطريـق، واحذرْ خطوات الشّيطان واتّباع الهوى فإنّه كما قـال أحد السّلف: "لا يُخاف عليك التباس الطّريق، ولكـن يُخاف عليك غلبة الهوى." وقال آخر: "من لم يخلص يتعثّر."
طبيعــة الطريــق هكـــذا..
ومن المعلوم أن الطّريق ليس مفروشا بالورود والأزهار، فالعوائق والعوارض كثيرة ومتنوعـة، ذاتية وخارجية.قال تعالى: "الم أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنـون، ولقد فتنـّا الذين من قبلهم، فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين."( 1،3-العنكبوت) وقال تعالى: "وجعلنا بعضكم لبعض فتنـة أتصبـرون؟"(20-الفرقان). فالحياة الدّنيـا دارعمل وابتلاء واختبار ثم تنتهي وتـزول والمهيمن باق، والعاقل من يتفطّن لمثل هذه الحقائق الدّامغـة، ويتأمّل في قيمـة الوقت.فالقرون لحظة، والعقد لحظة والسنّة لحظة، والشّهر كذلك، والأسبوع ثم اليوم فالضحوة فالسّاعة، ودقّات قلب الانسان قائلة له عمرك دقائـق وثواني. والكيّس من ينتهزها في الخيـر. قـال تعالـــى: "ياأيّها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا، واعبدوا ربّكم، وافعلوا الخيرلعلكم تفلحون."(77-الحج)


(1) ص 50،51،52 جدد حياتك- محمد الغزالي
فحذارِ من التعثّر أو الانحراف أثناء السير والرّؤية الواضحة للطّريق وما فيه من عقبات ومحن وابتلاءات تولـد عند السّالك الثقة والاطمئنان لأنها دليل على سلامة السّيـر. ومن لا يعرف معالم الطريق ولايدري عن منعطفاتها ومنعرجاتها شيئا، فقد تسلّمه للضياع.
ورحم الله من قالها بكلّ بساطة، وفي كلّ وضوح: "الطّريق من هنا"(1) ورغم كلّ هذا الوضوح، لا بدّ للسّالك من إيمان يهـدي قلبه، وصلة بالله تقوّيه، وهمّة ترفعـه، وعلم يبصره، وحكمة تسدّده، وصحبة صالحة تـؤنسه وترشده. إنّه لا أمل ولا انبعـاث ولا نهضة إن على المستوى الفردي أوالجماعي دون الرّجوع إلـى الله، ثم بنشـر الوعي والتعليم والتثقيف، والتربية والتكوين، وبناء شخصية الفرد بناء صحيحا متكاملا، ثمّ برسم الأهداف وتصميم الخطط وإنجاز المشاريع وإتقان العمل والتحرّك في إطار منظّم، مع التقويم والتقييم المستمرّ لكل خطوة نخطـوها ولكّل جهـد أوعمل ننجزه.
التنميـة بالإيمـان نظريـة صالحـة لكـل زمـان ومكـان
التنمية بالإيمان والعلم والتّخطيط والعمل منهج صالح لكل زمان ومكان. مقولـة أثبتتها التجربـة وأكّدها منطق التاريخ، منذ العصور الغابـرة وإلى يوم النّاس هذا. فنحن في عالـم لا يعترف إلاّ بالنّاجح والنّاجحيـن، لذا يتوجّب استغلال كل الفرص المتاحة لمن أراد أن ينطلق انطلاقـة جادّة، ويحقّق أحلامه وطموحاته المشروعة. قال الشيخ الغزالـي: "ويظلّ الإنتاج والنّجاح والمجد مجرّد أحلام لذيذة، في نفوس أصحابه، ولن تتحوّل إلى حقائق حيّة، إلاّ إذا نفخ فيها العاملون من روحهم، ووصلوها بما في الدّنيا مـن حسّ وحركـة."(2)

(1) الإمام حسن البنا
(2) ص 55-جدد حياتك-محمد الغزالي.
وتتحقّق البطولة لما نمحّص نيّاتنا، ونتجرّد من كـلّ هـوى أو شهوة من شهوات النّفس الخفيّة، ونجعل أعمالنا وأقوالنا وحركاتنا وسكناتنا خالصة لوجهه الكريم وهو أهل لذلك سبحانه عز وجل.
وعلينا ألاّ نستصعب الأمـور أو نعتبرها مستحيلة مُقفلـة كأن أقول: لا أستطيـع، لا أقدر، غير ممكن... وغيرها من المفردات والعبارات السلبية التي كثيرا ما نسمعها تتردّد على ألسنة البعض. ومن الأمثلة الرّائعة في ثقافتنا مقولة: "لا تقـل ذهبت أربابه كلّ من سار على الدّرب وصـل." وقيـل أيضا: "همّة الرّجال تهدّ الجبال" وقيل: "لو تعلّقت همّة ابن آدم بالثريّا لنالتها".
لا يختلف اثنـان فيما للبعد الإيمانـي الرّوحي الدّيني وكذا البعد الثقافي بصفة عامّـة من تأثيـر إيجابي وفعّال في تفجير طاقات الإنسان بإثارة ملكاته الفكرية والعلمية والفنيّة والمهارية والدّفع به نحو ساحات العطاء والإنتاج والإبداع. ولذلك تجد التربية الخلقية والدينية متضمنة في صلب كلّ المناهج والأنظمـة التربويـة لأنها تصنع وتنتج الإنسان الذي يريده ذاك المجتمع أو تلكم الأمّة.
كـن دقيقـا فـي مراقبـة نفسـك
وحتى لا نقع في الشّطط ونبالغ في التفاؤل، وأن لا ندع شيئا من الغرور يتسرّب إلى أنفسنـا على أنّنا الأقوى أو الأقدر أو شيء من هذا القبيل، ينبغي أن نعـود إلى أنفسنا ونراجع ذواتنا ونجدّد نياتنا من حين لآخر حتى يسلم سيرنا، ونقطع الأشواط والمراحل كلّها بسلام، فمعترك الحياة ليس بالأمر الهين، فالتسرّع تهوّر والتباطؤ تثاقل وخير الأمور أوسطها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إنّ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى." وقد علّمتنا الحياة أن لا معنى لأيّ انتصار أو نجاح ما لم تصنع ذاتك وتنجح على هذا المستوى أوّلاّ.
وخلاصة القول في هذا الشّأن أنّه ينبغي على الإنسان أن يكون دقيقا في مراقبة نفسـه، وأن يسلك في ذلك منهجا وسطا واضحا، بمجاهدتها ومغالبتها إلى درجة التحكّم فيها والانتصارعليهـا. وإذا كان التحكّم في النفس أمر جميل ومحمود، فإن الأجمل منـه والأحمد كيف أحافظ على هذا التحكّم وهـذا الانتصار؟ وكيف أستمرّ عليه؟ ذلك لعمري ديْدن السّالكين قديما وحديثا، فخـذْ بحظّك منه ولا تعجز. وحسبنا ما قاله الأديب المصري المشهـور: "إنّ الخطأ الأكبر أن تنظّم الحيـاة من حولك وتترك الفوضى في قلبك، فصلاح العمل بصلاح القلب وصلاح القلب بصلاح النيّـة، ومن صفـا صُفِّي له ومن خلّط خلِّط عليه. فاعرفْ سياسة النفس واتقنْ ولوجها قبل ولوج العوالم الأخرى."(1) وما قاله رائد النّهضة والإصلاح في الجزائر: "لا يستطيع أن ينفع النّاس من أهمل نفسه، فعنايـة المرء بنفسه عقلا وروحا وبدنا لازمة له ليكون ذا أثر نافع في الناس"(2).
وقد سمعت أحد الدّعـاة المصريين يدعو بهذا الدعاء: "اللّهم إنّي أعوذ بك أن أكون جسرًا يمرّون عليه إلى جهنّم، ثم يُرمى به إلى النّار."(3)
وما قاله الشيخ الغزالي في هذا الشّأن "إنّ علاج مشكلات النّاس وأدوائهم لا يقدرعليه إلاّ رجل حلّ مشكلات نفسه، وداوى عللها بالحقائق الدينيـة التي يعرفها، ومن ثمّ نرى ضرورة العمل لتنظيـم النّفس وإحكام الرّقابة عليها." وقولـه أيضا: "إنّ حملة الأدوية التي ينفعون بها ولاينتفعـون منها موجودون في الحياة فعلا."(4) ومن الأمثلة الشّعبية عندنا في الجزائر: "ابعّدْ في الذّبّـانْ عْلَى النّاسْ
وهو تاكلْ فيهْ لَعْقارَبْ."

(1) ص 442 من وحي القلم-محمد صادق الرافعي
(2) مقولة لابن باديس بمجلة الشهاب
(3) درس لمحمد حسان بقناة اقرأ
(4) ص 8 جدد حياتك محمد الغزالي
اقرأْ هذه الأقوال القيّّمة وتأمّلها جيّدا، وانظرْ إلى واقعك، وانتبهْ إلى حالك، واحذرْ أن تبالغْ في الاهتمام بشؤون الآخريـن وتنسى نفسك في هذا الخضم فإنّـه عين الإفلاس. واسْعَ لإفادة نفسك أولاّ وتطوير ذاتك وتنمية قدراتك الفكرية والوجدانية والبدنيـة والاجتماعيـة والماديّة، ولا بأس بعـدها أن تُسهم في النّهوض بشأن الآخرين. عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم..."
لكــل جـواد كبــوة
وأنت تحاول وتبادر قد تنجح وقد تفشل، فلا تهتم ولا تستسلم فقديما قالوا: "وراء كلّ عظيم امرأة." أما الآن فأصبحوا يقولون: "وراء كل ناجح سلسلة مـن الفشل."
وهذا الشاعر الأديب محمد الأخضر السائحي يحدّث عن نفسه فيقول بكلّ تواضع: "حياتي سلسلة من الإخفاقـات والانكسـارات." إذْ ليس منقصة أن تزلّ بك قدم وقد قيل: "لكلّ فارس كبوة." ولكنّ المنقصة والعيب في أن تسقط فلا تنهض. فاستعنْ بالله وأعدِ الكرّة مرّة ومرّة بل مرّات وستنجح بإذن الله عز وجل "وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليه أنيب."(88-هود)
كثير من العلماء والعظماء كانوا مفلسين قبل أن يُصبحوا ناجحين لأنّك قبل أن تصل إلى النّجـاح غالبا ما تعترض طريقك عقبات وموانع وتحدّيات، وإذا لم تكنْ صبورا فلن تتخطـّى تلك العوائق، وستضطرّ للتنازل عن تحقيق أهدافك. فالثبات على الحقّ فضيلة والاستمرار في بذل الجهد واجب. والنّجاح في النّهاية عبارة عن نجاحات صغيرة أو سمّها عادات حسنة أو مواقف أو مبادرات، فكلّ نيّة أو قول أو فعل أو إنجاز وإضافة في الاتّجاه الإيجابي هو نجاح، وعلينا أن نثمّنه ونشيد بـه ولا نستصغر الأمـور مهما كانت بسيطة، فمعظم النار من مستصغر الشّرر كمايُقال.
 شـروط النجـاح باختصــار
قال تعالى: "والعصر إنّ الإنسان لفي خسر، إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر."( 1، 3-العصر) إذن فزاد السّالك لقطع الطـريق بسلام ونجاح كمـا ورد في النصّ
القرآني:1-إيمان عميق 2-وعمل للصالحـات 3-وثبات على الحق وعلـى أداء الرسالة 4-وصبـرعلى المحظور وعلى المأمـور وعلى المقدور.
واستمع إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يربّي الفرد المسلم التربية الرشيدة: "عجبـا لأمر المؤمـن إنّ أمره كلّه خير وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضّراء صبر فكان خيرا له."
نعم إنها خاصيّة مميزة يتفرّد بها المؤمن في دنيا الناس على سائر البشر، لأن الإيمان نصفـه صبـر ونصفه شكر، والإنسـان الذي يمكنه اتقان الصبر يمكنه اتقـان أيّ شيء آخر. إذا تسلّحْ بالعلـم، وتزوّدْ بالتّقوى، وتجمّلْ بالصّبر، تنجحْ إن شاء الله تعالى في الدنيا والآخرة.
04 الباب الثانـي: المحطة الأولـى: الوعــي بالـــذّات
إبحــار فــي أغــوار النفـس
الذات:هي مجموعة الصفّات والخصائص النفسية والعقلية والجسدية، منها ماهو وراثي ومنها ما هومكتسب فكلّ إنسان نتاج بيئتـه. والوعي بالـذّات: أن تتعرّف على نفسك من خلال هدفك في الحياة، وطبيعة رسالتك في الوجـود، من خلال قيمك ومعتقداتك وتوجّهاتك الفكـرية والعلميـة والثقافيـة، وما خبِرْتَه وجرَّبْتَه في دنيا الناس. فتتشكّل لديك وجهة نظر معينة، ورؤيـة واضحـة ومحددة عن نفسك ككيان مركّب عجيب وآيـة من آيات الله في الكون. قـال تعالـى:"والتيـن والزيتـون، وطور سنين، وهـذا البلد الأمين، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم..."(1، 4-التين) وقـال: "سنريهم آياتنا في الآفـاق وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحـق."(53-فصلت) وقال تعالى أيضـا كدعوة لاستعمال العقل والفكر والتأمل فـي ملكوت الله وخلقه: "قـل انظروا ماذا في السماوات والارض"(101- يونس) وقـال تعالى أيضـا: "الذين يذكرون الله قيـاما وقعـودا وعلـى جنوبهم، ويتفكـرون في خلق السماوات والارض، ربّنا ما خلقت هذا باطلا، سبحانك فقنا عذاب النار." (191-آل عمران) وقـد ثبت في الحديث الشريف: "ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتدبرهـا". فهل وفّينا العبادات الفكرية حقّهـا ومستحقّها، مثلما اصطبغت جوارحنا بالشّعائرالتعبدية ؟ أم ترانا مقصّـرون هنا وهناك؟ وإن شئت فاقرأ الآيات التالية وتدبرمعانيها جيدا قـال تعالى: "والشّمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنّهار إذا جلاّها، واللّيل إذا يغشاها، والسّماء ومابناها، والأرض وماطحاها، ونفس وماسوّاهـا، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها..."(1، 10-الشمس) "فقـد أقسم تعالى بستة من أعظم مخلوقاتـه وهيSadالشّمس، والقمر)(والنّهار، واللّيل)(والسّماء، والأرض) وفـي السابعة ختم سبحانه عزّ وجلّ قسمه بالنّفس معلّقا عليها بأهم وأخطر ما يتعلّق بها، مختزلا قصّة الإنسان في هذا الوجود في بضع كلمات "بأن فلاحه وسعادته في الدارين مرهونان بتقواه وتزكيته لنفسه، وأنّ خسارته وشقاءه فـي الدّارين بسبب فجوره واتّباعه لهواه"، إشارة منه سبحانه عـزّ وجلّ وكعادة القرآن الكريم إلى قيمة وتميّز وتفرّد هذا المخلوق عن باقي المخلوقات الأخرى هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنّ هذه المخلوقات وغيرها وُجدت من أجل هذا الإنسان، فما السرّ والحكمة من ذلك ياترى؟ ألسواد عيونه كما يُقال، أم لأمر وحكمة وسرّ آخر علمه من علمه وجهله من جهله. حينما تقرأ الآية القرآنية التالية تعرف بعض السرّ، قـال تعالـى: "إنّـا عرضنا الأمانة على السّماوات والأرض والجبـال، فأبينا أن يحملنها، وأشفقنا منها وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا." (72-الأحزاب) معنى ذلك أنّ الإنسان خليفة الله في أرضه وأهل لحمل الأمانة والرّسالة قال تعالى: "ياداوود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى..."(26-ص) فمن يكون هذا الخليفـة؟ هل هو "الإنسان ذلك المجهول" كما وصفه أحـد مفكري الغرب؟ أم هو غير ذلك؟ أعتقـد أنّ في ثقافتنا العربية الإسلامية وفي موروثنا الحضاري بصفة عامة إجابات وافيـة كافيـة شافية مقنعة بإذن الله تعالى لمثل هذه التساؤلات وما شابهها.
أيقـض (العمـلاق)
الرّابض في أعماقك وفجّر بركان طاقتك، وأطلق قدراتـك وإمكاناتك، فشأنك شأن الكنز المكنون اجتهدْ لاكتشافه وسبر أغواره. فهيّا نجرّب معا ونبحر في هذا الاتّجاه، علّنـا نظفر بصيد ثميـن، ونكتشف كل ما هو جميل وعميق وأصيل فينـا وفي خبايا هذا البحر المترامي الأطراف. قـال تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون..."(21-الذاريات)
اعـرف ذاتـك: (عمـلاق)Sadع):عيـش مـع الـذات
أنا من أنا؟ وماذا أريد؟ وكيف أصل إلى ما أريد؟ وما جوانب قوّتي؟ وما جوانب ضعفي؟ لماذا لم أتغيّر؟ لماذا لا أكون سعيدا ؟ وأسئلة أخرى كثيرة...
أسئلة فلسفية قديمة حديثة، لطالما حيّرت وشغلت بال الفلاسفة والمفكرين والعلماء والمثقفين حتى الإنسان العادي وما زالت. مع العلم أنّ سعادة الإنسان لا تكتمل بل لا تبدأ إلا بالإجابـة عن هـذه الأسئلة الكبرى. إذن نقطة الانطلاق وبداية البدايات أن تعرف من أين تبدأ؟
جوهــر الــذات
نعم من هنا ينبغي أن تبدأ، ومن هنا ينبغي أن تعلم وأن نعلم جميعا أن لا تغيير حقيقي دون المرور عبر هذه المحطّـة، التي أُحبّ أن أسمّيها (نقطة الانطلاق، نحو آفاق رحبة) إذن من هنـا يبـدأ التغييـر، ومن هنا تبدأ الرّحلـة وتنطلق القاطـرة. أن تعرف نفسك أي أن تعـي ذاتك. وفـي الأثـر:"ما هلك مـن عرف قـدر نفسه." "عـاش من عرف قدر نفسه" "اعرف نفسك تعرف ربك"، وهكـذا...
قال تعالى: "وإذ قال ربّك للملائكة إنّي خالق بشرا من طين، فإذا سوّيتـه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين."(71-ص) فأنت قبضة من طين ونفخة من روح. أنت كائن مركب من مادّة وروح، من جسد كثيف وروح لطيف، من صلصال كالفخار وهو عالم الطين، قـال تعالى: "منها خلقناكم، وفيها نعيدكـم، ومنها نخرجكم تارة أخرى."(55-طه) أرضي وسماوي، ربّاني وحيواني. فأنت قابل أن ترْق إلى أن تُصبح شبيها بالملائكـة، وأن تهبط إلى أن تصبح كالحيوانـات بل دون ذلك. قـال تعالـى:" لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافليـن"(4، 5-التين) وبتمييزك العقلي وقناعاتك الرّاسخة، بعقيدتك وإيمانك، بإرادتك وكامل حرّيتك، تختار أيّ الطّريقين تسلك قال تعالى: "إنا هديناه السبيل، إمّا شاكرا وإما كفورا"(3-الإنسان) وعند الموت تصعد الرّوح إلى باريها ويعود الجسد إلى أصلـه التراب. إذن المعادلة كالتالي: (جسد+روح+عقل=إنسان) فالبدن وحده غير مكلّف، والرّوح وحدها غيرمكلّفة، وكذلك العقل وحده. وإذا اجتمع الثلاثة سُمّي المركّب: "النفس البشرية"وهي المكلفة شرعا. وسُمّي إنسانا: أي مخلـوق يميز ويعقل، ويتأمّل في كون الله ويدرك الحكمـة. فالإسلام يحترم النفس البشرية والإنسان من حيث هو إنسان، قال تعالـى: "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضّلناهم على كثيـر ممّن خلقنا تفضيلا"(70-الإسراء)
وقد شمل التّكريم الإلهي الوجود الآدمي بصفة عامّة بغضّ النّظر عن دينه وإثنيتـه وجنسه بحيث سخّر له الكون كلّه، جعله في الأرض خليفة، أنزل عليه الكتب، أرسل إليه الرّسل، ومن أجل هذا حرّم الإسلام قتل النّفس إلاّ بالحقّ. فهذا رسـول الله صلّى الله عليه وسلـّم يقوم احترامـا لجنازة تمـرّ، ولمّا قيل له إنّها جنازة يهودي، قال المرسول رحمـة للعالمين: "أليست نسمة؟ أي نفس، ماأروع الموقف! وماأروع التعليل! فكفـره لم يكن مبّررا لهضم حقوقـه كإنسان آدمي. فالإنسان مكرّم في أصل خِلْقتـه، حيث نفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكـة، مكرّم في طبيعتـه، فلا يشبهه أيّ مخلوق آخر، مكرّم في رسالته، لأنّه لم يُخلق سدى، بل من أجل رسالـة نبيلة يؤدّيهـا. قال تعالى: "إنّا عرضنا الأمانة على السّماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا..." (72-الأحزاب) فالإنسان متفرّد في نطقه في مشيه في صورته في تفكيره ومشاعره... قال تعالى:" الّذي أحسن كلّ شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين."(7-السجدة) وقال: "الرّحمـان، علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان..."(1، 4-الرحمن)
وقال: "ألم نجعل لــه عينين، ولسانا وشفتين، وهدينـاه النجدين." (8،10- البلد)
وتأمّلْ بالمقابل الحمار وهو ينهق، وانظرْ إلى البقرة كيف تمشي على أربع، وإلى الحيّة كيف تزحف على بطنها، ويكفي للدلالـة. جعل له الأرض ذلولا، سخّر لـه كلّ المخلوقات، بل الكون كلّه مسخّـر لصالح صاحب هذا الحجم الصغير، وصدق الشاعر الحكيـم حين قــال:
أتحسب أنّك جرم صغير  وفيك انطوى العالَم الأكبـر
وكما أنّ خلاصة القرآن الكريم هي صورة الفاتحة، فإنّ خلاصة هذا الكون هـو الإنسان، وأوّل ما خلق الله القلم، وآخر ما خلق الإنسان. "فقصّة حياتك وهوّيتك وعمرك أعظم صرح يُبنى فـي هـذا الوجود، فكنْ خيرَ مهندسٍ له وكنْ كيّسا فطنا، وأدّ مهمّتك بصدق وأمانة تَفُزْ إنْ شاء الله في الدّنيـا ويوم القيامة.
رأسمــالك الحقيقـــي
ألا تعلم بأنّ: رأسمالك الشّخصي هو مصادرك الجسمية والفكريـة والنفسية التي تنمـو وتتطـوّر باستمرار، فماذا فعلت في هذا الاتّجاه؟ أم أنّك من الذين يحسبون أن رأسمالهم هو ما اجتمع لديهم من مال ومن ذهب وفضة. فاصْغِ معي جيّـدا إلى الشيـخ محمد الغزالـي وهو يبين رأس المال الحقيقي: "إنّ رأسمالك الأصيل جملة المواهب التي سلّحك القدر بها، من ذكاء وقدرة وحرية، وفي طليعة المواهب التي تُحصى عليك وتعتبر من العناصر الأصيلـة في ثروتك، ما أنعم الله به عليك من صحّة سابغة، وعافية تتألّق بين رأسك وقدمك، وتتأنّق بهـا في الحياة كيف تشاء. والغريب أنّ أكثر الناس يزدرون هذه الثروة التي يمتلكونهـا، لا يشركهم أحد فيها أو يزاحمهم عليها...
وهـذا الازدراء جحود يستحقّ التنديد والمؤاخذة، قـال"ديل كارنجي": "أتراك تبيع عينيك في مقابل مليون دولار؟ كم من الثمن تظنّه يكفيك في مقابل ساقيك أو سمعك أو أولادك أو أسرتك ؟" أحسب ثروتك من هذه المواهب الغاليـة، ثم اجمـع أجزاءها وسوف ترى أنّهـا لا تُقـدّر بالذهب الذي جمعـه آل"روكفلر" وآل"فورد". بيْد أن البشر لا يقدّرون هذا كلّه؟ إنّنا كما قـال فينـا "شوبنهور":"ما أقـلّ تفكيرنا فيما عندنا وما أكثر تفكيرنا فيما ينقصنا" فهل نذكر هذا الفضـل؟ وهل نقدّر هذه النّعمـة؟ وهل نشكر عليها؟ فأصحاب النّعم مطالبون بمزيد من الجهد والنّشاط كفاء ما أُوتوا من خير ومُنحوا من برّ. ما أغلى العافية التي تسري في أوصالنا! وما أثمن القوى التي زوّدنا الله بها! وما أشهى الثّمار التي نقطفها لو أحسنّا استغلالها ولم نهدر قيمتها! إنّ الإسلام يريد أن يلفت أنظارنا بقوّة إلى نفاسة النّعم التي تكتنفنا، وإلى ضرورة الإفادة منها. فهو يرى الحياة نعمة ويطلب إلينا أن نشكره على ما وهبنا من روح وإحساس، وسخّر لنا من ليل ونهار، ومكّن لنا بين الأرض والسّماء. إنّ هذه الحياة الممتازة الرّاقية تكريم خاصّ ينبغي أن نعتزّ به، وأن نبصر حق الله فيه، والله قد منحنا الحواس المعروفة لنتجاوب مع الوجود، ونتعرّف ما فيه، ونتذوّق بملكاتنا المادية والأدبية جماله وقواه قـال تعالـى: "والله أخرجكـم من بطون أمهاتكم لا تعلمـون شيئا، وجعل لكم السّمع والأبصـار والأفئدة لعلّكم تشكرون."(78-النحل)
قال العالم النفساني "وليام جيمس": لو قسنا أنفسنا بما يجب أن نكون عليه لاتّضح لنا أنّنـا أنصاف أحياء، ذلك أنّنا لا نستخدم إلاّ جانبا يسيرا من مواردنا الجسمانية والذهنية.أو بمعنى آخر أنّ الواحد منّا يعيش في حدود ضيّقة يصنعها داخل حدوده الحقيقية، فإنّه يمتلك قوى كثيرة مختلفة ولكنّه لا يفطن إليها عادة، أويخفق فــي استغلالها كلّها."(1)





(1)ص 136- جدد حياتك –محمد الغزالي
أنت نسيــج وحــدك
أنا من أنا؟ أنت كنز مكنون، وجوهرة نفيسة، أنت نسيج وحدك، قـال تعالـى:"يا أيّـها الإنسان ماغرّك بربّك الكريـم الذي خلقك فسوّاك فعدّلك في أيّ صورة ماشـاء ركّبك."(6، 8-الانفطار) وقـال الشيخ الغزالي: "قال ديل كارنجي:"إنّك شيء فريد في هذا العالم. إنّك نسيج وحدك فلا الأرض منذ
خُلقت رأت شخصا يشبهك تمام الشّبه، ولا هي في العصور المقبلة سوف ترى شخصا يشبهك تمام الشّبه، إنّنا مخلقون بدقّة تثير الرّهبة وتستدعي الإعجاب، وحتّى بعد التقاء أبويك أحدهما بالآخـر وتزاوجهما فإنّ احتمال خروجك أنت بالذّات إلى حيّز الوجـود نسبة 1 إلى 300000 بليـون.
أو بمعنى آخر لو أنّ لك 300000 بليون أخ وأخت لكانوا جميعا مختلفين عنك مناقضين لك فلكـلّ إنسان قالبه البدني لا يماثله فيه أحد، وكيانه المعنوي الباطن الذي يتميّز به عمّن سواه.(1)
كـلام نفيـس أجـدر بـأن نتأملــه
وقال الشيخ الغزالـي:"...هذا المزاج المعنوي، أو هذا الكيان النّفسي هو حقيقة المرء التي تهب له وجـوده المستقل، وتميّزه بخصائصه الذاتية فلا يماثله فيها أحد، وبما أن سلوك المرء إن هو إلاّ الخطّ الذي ترسمه له طباعه وميوله وغرائزه وذهنه، فلا جرم أن يكـون لكلّ امرىء خطّه الذي لا يشاركه فيه أحد، ووجهتـه التي يتميّز بها من دون النّـاس.





(1) ص 147 جدد حياتك- محمد الغزالي
قال تعالى:"ولكلّ وجهة هو مولّيهـا" وبما أنّه عسير جدّا على الإنسان مهما حاول أن يكون غيره، فلكلّ إنسان شخصيته المستقلّة، فإذا هو حافظ على هذا الاستقلال،ودعّـم أصوله وزكّـى فروعه،
وعاش في نطاق ذاتيته الخاصّة فقد مضى على سنة الله، إذْ أراده أمة وحده ودولة قائمة بذاتها.. وإذا هو لم يعرف لنفسـه حقّها، فنافق الرّؤساء ومن إليهم، أو مضى يقلّد بعض ذوي الشّهرة في حركاتهم وأصواتهـم ومظاهرهم وطريقة آدائهم للأعمال، أو راح على غير سجيّته يتكلّف الأمور
ويرائي النّاس في تصرّفاتـه، فقد جانب سنة الله وأهدر شخصيتـه وغيّر خلق الله الذي آثره به وسوّاه عليه."(1)
خصـائـص وصفات الإنسـان قبـل أن يؤمــن
إذا سبق وأن عرفت حقيقة الإنسان، وجوهر الذّات ولو باختصار، لنحاول تحت هذا العنوان ولوج باب آخر يتعلّق ببعض خصائص ومميزات الإنسـان قبل أن يؤمن، لأنه بعد أن يؤمن ويسلم -لا شكّ أنّه- يصبح شيئا آخر غير الذي كان من قبل.فالمطلّع على القرآن الكريم، وكذلك السنّة النبوية على صاحبها أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم، وأقوال الصّحابة، والسّلف وحتّى الخلف، بل موروثنا الثّقافي عامّة حافل بالحديث عن الإنسان وطبيعة النّفس البشرية، أنواعها، وأطوارها، وما يعتريها من حال منذ نشأتها أوّل مرّة إلى غاية انتقالها إلى عالم الغيب، (مولدها، مسارها، ومصيرها). وما نستنتجه ونحن بصدد قراءة وتدبّر الآيات القرآنيـة التي تتحدّث عن هذا المخلوق العجيب الصّنعة.


(1) ص 150 جدد حياتك-محمد الغزالي.
نخلص إلى الحقائق التاليـــة:
- أيّ إنسان مفطور على الإيمان والتديّن، ولو كان ملحدا.
- الإنسان حين الشدّة يتّصل بفطرته ومولاه.
- يتميز المؤمن بأنّه يعرف ربّه ومولاه عند الرّخاء وعند الشدّة. لا تفرح بإيمان يأتي عند الشدّة فقط، افرح بإيمان سابق ومستمرّ والمثل المشهورعندنا:"اعرف ربك في الرّخاء يعرفك عند الشدّة."
وهذه بعض الآيات القرآنية التي تشير إلى بعض هذه الخصائص والصّفات :
*"ضعيف" قال تعالى: "يريد الله أن يخفّف عنكم وخُـلِق الإنسان ضعيفا." (28- النساء)
أقلّ سبب ينهي له حياته، وعلى سبيل المثال لا الحصر: قُوّتُه كلّها في سيولة دم لو تجمّد لانْتَهَ، أو تحت رحمة هرمون تفرزه غدّة ما لو قلّ إفرازه لأصبحت حياته جحيما لا يطاق.
*"يؤوس" قال تعالى:"وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسّه الشرّ كان يؤوسا." (83- الإســراء)
*"يؤوس قنوط" قال تعالى: "لا يسأم الإنسان من دعاء الخيـر، وإن مسّه الشـرّ فيئوس قنـوط." (49-فصلت)
*"آثم وكفور" قال تعالى: "فاصبر لحكم ربّك، ولا تطع منهم آثما أوكفورا." (24-الإنسان)
*"ظلوم جهول" قال تعالى:"إنا عرضنا الأمانة على السّماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا." (72- الأحزاب)
*"عجول" قال تعالى:"ويدع الإنسان بالشرّ دعاءه بالخير، وكان الإنسـان عجولا." (11-الإسراء)
*"قتور" قال تعالى: "فلو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذا لأمسكتم خشيـة الإنفاق وكان الإنسان قتورا."(100- الإسراء)
*"هلوع، جزوع، منوع" قال تعالى: "إنّ الإنسان خُلق هلوعا، إذا مسّه الشرّ جزوعا، وإذا مسّه الخير منوعا." (21.20.19- المعـارج)
*"مُجادل" قال تعالى: "وكان الإنسـان أكثــر شيء جــدلا."(54- الكهف)
*"خصيم مبين" قال تعالى: "أولم ير الإنسان أنّا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين." (77- يس) *كنود، شديد الحب للمال" قال تعالى:"إنّ الإنسان لربّه لكنود، وإنّه على ذلـك لشهيد، وإنه لحبّ الخير لشديد." (8.7.6- العاديات)
*"فاجر" قال تعالى: "بل يريد الإنسان ليفجر أمامه" (5- القيامة)
*"مغرور" قال تعالى: "ياأيّها الإنسان ماغرّك بربّك الكريم." (6- الإنفطار)
*"كادح" قالى تعالى:"ياأيّهـا الإنسـان إنـّك كـادح إلـى ربـّك كدحا فملاقيـه." (6- الإنشقاق)
*"يطغى" قال تعالى: "كلاّ إنّ الإنسان ليطغى."(6-العلق)
*"نفسه أمّارة بالسّوء" قال تعالى: "وما أبرئ نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربّي إنّ ربّي غفور رحيم."(53- يوسف)
*"لا يؤمن بالقدر خيره وشرّه" قال تعالى: "وأمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقـه فيقول ربّي أهانني." (16- الفجر)
*"يعرف ربّه عند الشدّة فقط" قال تعالى: "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسّه الشرّ فذو دعاء عريض."(51- فصّلت)
نــداء الفطـــرة
قـال تعالـى: " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدّين القيّم"(30-الروم) وقـال رسول الله صلّى الله عليـه وسلّم:"ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه..." روا ه أبو هريرة
وهنا إشـارة إلـى أنّ الإسلام هو الفطرة، فما الفطـرة؟ أنت عندما تخطئ وتقترف خطيئة تحسّ بالذّنب وبآثار المعصيـة تلاحقـك تلكم هي الفطرة. وعندما تؤدّي طاعة ما، تشعر بالرّاحة والاطمئنـان فتلكم أيضـا هي الفطرة لأنّ البرّ ما اطمأنّت إليه النّفس والإثم ما حاك في الصّدر وكرهتَ أن يطّلع عليه النّاس، كما ورد في الحديث الشريف. فالعاصي ولو كان غنيّا ولو احترمه النّاس، تجده دنيء النّفس حقير الذّات، ولأنّه ما فتئ يظلم نفسه تراه منكسرا ذليلا مهينا، يتصرّف تصرّفا غير حكيم، وهنـا تبدأ فطرته تعذّبه. أمّا الصّادق قد يكون من عامّة النّاس أو من أفقرهم لكنّـه يشعر بعزّ الطاعـة وعزّ الكمال والفطرة أن تحبّ الكمال، وأهل الأرض كلّهم كذلك، وهذا لا يعني أنّهم كاملون. فأنت إن فعلْت الكمال ارتحتَ وأحسستَ بشيء لا يوصف ولا يُتصوّر، أحسستَ برحمة تجلّـي رضى فرح سرور غنى لذّة إيمان، لأنّك طبّقت منهج الله واصطلحت مع نفسك أي مع الفطرة. فالسّعـادة في طاعة الله، في أن تصطلح مع الله، وحينما تصطلح مع الله دون أن تشعر تصطلح مع نفسك. قال تعالى: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة."(26-يونس) لأنّ منهج الله وخصائص نفسك متطابقة تماما، ولأنّ أدقّ دقائق الشّـرع متطابقة مع الفطرة. فالتوافق أنّك مؤمن يعني سعيد قويّ الشّخصية متواضع عزيز، لا تأخذك في الله لومة لائـم. فالذي انسجم مع الفطـرة هادئ وديع حياته بسيطة، كلامه لطيف، أعصابه متينة، رحيم حكيم كريم عفيف شجاع متسامح...الخ.) فهـو أقرب إلى الفطرة وأبعد ما يكون عن الفتنة. أمّا من ابتزّ أموال النّاس بالباطل وضرب هـذا وسفك دم هذا، وظلم وطغى وتجبّر تجـد عنـده متاعب كثيـرة اضطراب قلـق ضغط خوف من المجهول، ردود أفعال قاسية جدّا، اختلال توازن شرخ عميق، احتقار للذّات. والحلّ أن يصطلح مع فطرته ومع ربّه لإعادة التّوازن المفقود. وحتّى يرجع سويّا لابدّ أن يعود إلى الصّواب ويقبل به، ليتناغم وينسجم مع فطرته. فالإنسان بناء الله واستقامة البنيان تقتضي استقامة العقيدة.إذن ذاتك فطرتك هي مكمن الإعجاز والحكمة والمعرفة، لأنّها هي الدّافع لتحقيق الإنجازات والمعجزات في الأرض. فأصل قيمتنا هي الفطرة، وهي قيمة عليا لا تعلوها قيمة إلا الإيمان والعلم والعمل الصالح.
واعلم أنّه لن يَتَأتَّ لك أيّ علم إلاّ إذا عدت لنفسك واكتشفت ذاتك، وعرفت علّة وجودك وسبيل ذلك: التأمّل فيها، تتعرف عليها، تُبْصرها جيّدا، تألفْ بها وتأنسْ تَصحبُها، وهي التي تدفعك بعد ذلك للتأمّل في ملكوت الله وخلقـه وآياته في الكون والحياة، ومن ثم تُدين له بالولاء والطّاعة.
واعلم أنّ النّموذج البشري في كلّ هذا هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيث تجسّدت فيه القيمة الحقيقية للإنسان، وتحقّقت فيه كل عناصر ومعايير الإنسانية، من آدم عليه السّلام إلى قيام السّاعة. نموذج بشـري آخر حقّق الكمـال الذاتي والإنساني، ويتمثل في سيدنا ابراهيم عليه السلام. سمّاه الله عزّ وجلّ فـي القرآن الكريم: حنيفـا ومعناه: المستقيم الذي لا عوج فيه. فأوّل ما بدأ، تأمّل ذاته، واستحضر الفطرة، فأدرك أن لهذا الكون ربّ واحد لا شريك له، فلمّا صاحب معرفة الله في فطرته، سمّاه الله خليل الرحمـان. وانظرْ إلى سيدنا الخضر عليه السّلام، كيف عرف وأبصر عدّة حكم وأسرار بفطرته. قـال تعالـى: "اتقوا الله ويعلّمكم الله" (282-البقرة)
صبغــــة الله
الإنسان قبل أن يؤمن لـه خصائص وصفات، ذكرها القرآن الكريم في أكثر من آية وأكثر مـن سورة وبعد أن يؤمن تصبح له مواصفات أخرى. فالفرق صارخ بين المؤمن وغيره، اقرأ القرآن بتدبّر تدركْ هذه المعاني وهذه الحقيقة جيّدا قال تعالـى: " أومن كان ميّتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس، كمن مثله في الظّلمات ليس بخارج منهـا"(122-الأنعام) وقال تعالى:"يهدي الله لنوره من يشاء"(35-النور) وقـال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لذاك الصّحابي الجليل الذي أخبره بأنه أصبح مؤمنـا: "عبد نوّر الله قلبه بالإيمان عرِفْتَ فالـزمْ" فالإيمان نقلة نوعية في حياة الإنسان بل انقلاب وتحوّل جذري عميـق وشامل من نمط حياة إلى نمط حياة آخر، ومن منهج إلى منهج، ومن اتّجاه إلى اتّجاه آخـر معاكس تمامـا، اختلاف عبّـر عنه القرآن الكريم بقولـه تعالى: " ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثّت من فوق الأرض مالها من قرار".(24، 26-ابراهيم)
المؤمن يشترك مع غيره في الفطرة والآدمية والبشرية والأصل الإنساني والجانب البيولوجي ويختلف عنه في النيّـة والمقصد، في العقيدة والتفكير والمشاعر والسّلوك، في الأثر والتّأثيـر، فالإنسان فُطِر أي بُرْمِج على حبّ الرّحمـة والإحسان والتّسامح والعدل والإنصاف وكلّ القيم الأصيلة المتجدّرة فيه وهي صفات الكمال، فالله عزّ وجلّ

بوراس بوعلام
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 203
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 25/11/2008
العمر : 39

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://soukahras.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: صناعة الذات " عماري جمال الدين

مُساهمة من طرف بوراس بوعلام في 2012-04-20, 1:34 pm


فالله عزّ وجلّ رحيم ويريدنا أن نرحم بعضنا البعض، حليم كريم وطلب منّا أن نتّصف بهذه الفضائل، عدل ولذلك أمرنا أن نعدل في كلّ شؤوننا وهذه كلّها صفات كمال، ولولا محبّتنا للكمال لما عذّبتنا نفوسنا عند الخروج عنه، والفطرة تعاقب صاحبها حينما يحيد عن مبادئها. فإذا خالف الإنسان فطرته وعصى ربّه فالأمر سيّان، فإنّه يضلّ ويشْقَ، أمّا إذا تناغم وانسجم مع الفطرة وأطاع مولاه فإنّه يرتاح ويهنأ ويفرح ويسعد.
فالإنسان المؤمن الموصول بالله مصطبغ بالكمال فهو في الخلوة والجلوة لا يفعل إلاّ الكمال لأنّه أصبح له صبغة. وإذا كانت الفطرة أن تحبّ الرّحمة والإحسان والعدل فإنّ الصّبغة أن تكـون رحيما وأن تكون محسنا وأن تكون عادلا ومنصفا، وإنّه لفرق شاسع بين أن تحبّ الصّدق وبين أن تكون صادقا، بين أن تحبّ الوفاء وبين أن تكون وفيّا. الصّبغة أن ترى موقفا أخلاقيا مجسّدا قال تعالـى:"صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة" وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه له خير" فالصّبغة أكبر ثمرة من ثمرات الإيمان لأنّك تصطبغ بصفات الكمال (أقصد الكمال النّسبي لا الكمال المطلق، فهو لله عزّ وجلّ وحده لا ينازعه فيه أحد) وهـذا نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم كان أمينا صادقا حتّى قبل بعثته فهو القائل: "إنّما بُعِثت لأتمّم مكارم الأخلاق" ولأمر ما مدحه ربّه عزّ وجلّ في القرآن الكريم فقال: "وإنّك لعلى خُلق عظيم". لماذا لم يمدح فيه غزارة علمه وهو المدعّم بالوحي؟ ولم يمدح فيه قوّة فكره، ولا حتّى كثرة العبادة؟ وهو صلّى الله عليه وسلّم الذي كان يقوم اللّيل حتّى تتورّم قدماه، فالموقف الأخلاقي هو الموقف البطولـي لأنّ الذي يشدّ النّاس للدّين أو للإسلام ليس صلاتنا ولا صومنا ولا حجّنا إنّمـا هي مواقفنا تصرّفاتنا أخلاقنـا. الدّين صدق أمانة رحمة تسامح إحسان تواضع للخلق، قال صلّى الله عليه وسلّم:"إنّ المرء ليبلغ يوم القيامة درجة الصائم القائم بحسن خلُقه."هذا هو الجوهر الذي غفل عنه -للأسف الشديد- كثير من المسلمين في هذا العصر، فالله غنيّ عن عباداتنا لا تنفعه طاعة ولا تضرّه معصية. إقرأوا التاريخ وإلاّ فمن الذي جعل النّاس يدخلون في دين الله أفواجا قديما وحديثا، أليس تأثُّرا بأخلاق الرجال والتجار والدعاة المسلمين الصادقين، لأنّهم رأوا أناسا يتحرّكون وفق منهج الله، لقد فُتحت البلدان والأمصار بالعلم والعمل، بالإحسان والرحمة، والآن إن لم تكـنْ رحيما، إن لم تكن عادلا لن تؤثّـر. إنّ النّاس يتأثّرون بلسان الحال أكثر من لسان المقال، فالقدوة قبل الدعوة بل القدوة أبلغ دعوة. ليس هناك ما يشدّ النّاس ويؤثّر فيهم إلاّ أن يروْك على درجة من الاستقامة، إن لم يحبّك النّاس ففي إيمانك دخل، إن لم تتميّز بخلق قويم لا أحد يلتفت لهـذا الدّين، يجب أن يُشار إليك بالبنان، إن لم يقلْ من حولك فيك مثل هذا الكلام فلست على شيء. وهكذا إذا تناغمْتَ مع فطرتك وتعرّفتَ على الله، وطبّقْتَ أوامره وشرعه، وعمّرْت أوقاتك بالطّاعات وعمل الصّالحات، لا تظلم ولا تعتدي ولا تؤذي أحدا فأنت على المحجّة البيضاء. فوالذي نفس محمد بيده لو طبّقنا منهج الله كما أمر لأصبحتْ حياتنا كلُّها جنّة. فالأخلاق الحسنة ثمرة العقيدة الصّحيحة والعبادة الصحيحة. فتفقّد عقيدتك وعباداتك وأخلاقك من حين لآخر وعدل.
غرائــز، شهــوات...وما الحـــل ؟
الإنسان بطبعه رُكّبت فيه غرائز وشهوات، إذا فقهَ طبيعتها وتحكّم فيها، وتعامل معها وفق منظور الشّارع الحكيم، يمكن أن تكون عاملاً لآداء رسالته وتحقيق سعادته في الدّارين، ويمكن أن يحدث له العكس، فيتعب ويضلّ ويَشْق. ولا شكّ أنّ هذه الشّهـوات ركّبها الله في الإنسان لحكم كثيـرة ومتنوّعة، ليس مجال بحثها الآن. والسّـؤال المطروح كيف أتعامل معها؟ أؤعطّلها؟ أم أتصرّف معها بحرية مطلقة، وأُطلق الحبل على الغارب، فأفعل مـا أشاء دون ضابط أو قيد؟ كمـا يفعل الإباحيـون أو الملحدون الذين يرفعون شعار "لا إله والحياة مادّة." أو كما قالها الدّهريون قديمـا "أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلاّ الدّهر وما نحن بميّتين"، وبهذا التصوّر والمعتقد الفاسـد وهذا السّلوك المنحطّ، انحدروا إلى أسفل سافلين. حيث خرجوا عـن فطرة الآدمي إلى بهيمية وحيوانية أو أضلّ. قال تعالى: "إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضل"(44-الفرقان) وقـال تعالـى: "فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث."(176-الأعراف)
وبالمقابل لم يأمرنا ديننا الحنيف- دين الوسطية والاعتدال، دين الفطرة-ولم يدعونا إلى تعطيل هذه الغرائز، وإلاّ كيف نعطّل جزئية ركّبها الله فينا؟ كيف نعطّل شيئا خلقه الله فينا؟ كما لم يدعونا إلى حرية مطلقة، فكان موقفه وسطا بين إفراط وتفريط. فدعانا إلى تنظيم هذه الغرائز وصرْفهـا في مسارها الطبيعي الفطري. فشرّع الزّواج مثلا لتنظيم شهوة الجنس وبالتالي فلا إباحية ولا رهبانية بل زواج شرعي، ترتضيـه الخلائق في الأرض وتباركه الملائكة في السّماء. ومن الغرائز أيضا المركوزة في جبلة الإنسان غريزة الغضب قال تعالى:"والكاظمين الغيض والعافين عن النّاس، والله يحب المحسنيـن"(139-آل عمران) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له أوصني: "لا تغضب"(رواه أبو هريرة) وكرّرها ثلاثا. فالعفو عند المقدرة وكظم الغيض من الأخلاق العالية الفاضلة، لأنّه كما أخبر الصّادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم:" ليس الشّديد بالصّرعة إنّما الشّديد الذي يملك نفسه عنـد الغضب."(رواه أبو هريرة) ولأنّه إذا لم يستطع الإنسان أن يتحكّم في نفسه ويسيطر عليها عند الغضب فقد يفعل ما لا تُحمد عقباه، قد يسبّ وقد يضرب وقد يقتل...الخ) وكلّها سلوكات مذمومة نهانا عنها الشّارع الحكيم. قـال الشيخ الغزالي: "إنّ الغضب مسّ يسري في النفس كما تسري الكهرباء فـي البدن، قد ينشئ رعدة شاملة واضطرابا مذهلا، وقد يشتدّ التيار فيصعق صاحبه ويقضي عليه. وظاهـر أنّ المرء مع تفاقم الغضب يغيب عنه وعيـه ويتسلّم الشيطـان زمامه وكمـا تعصف الاضطرابات بمشاعره يطيش لبّه فلا يعي ما يوجّه إليه من نصح ولو كان من كلام الله وحكمة الرّسول.عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"ما من جرعة أعظم أجرا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله." وقد جاء في الصحيح: استبّ رجلان عند النبي صلّى الله عليه وسلّم فجعل أحدهما يغضب ويحمرّ وجهه وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقـال لـه: "إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه هذا..أعوذ بالله من الشيطان الرّجيـم." فقـام إلى الرّجل أحد ممّن سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال له هل تدري ماقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا؟ قال: لا قال: قـال: "إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه هذا...أعــوذ بالله من الشيطـان الرجيم" فقال له الرّجل: أمجنـون تراني؟..وهكذا بلـغ الغضب بالرّجل حدّا لم يكترث فيه بتوجيه النبوة."(1)








(1) ص 118، 119، 120 جدد حياتك- محمد الغزالي
وقديمــا قـــال الشاعـــر:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرّتب  ولا ينال العلا من طبعه الغضب
والمبدأ في الوعي بالذّات معرفة الشّهوات بمختلف أشكالها، ثمّ السّعي الجادّ لمغالبتها ولجمها بقوّة وصدْق. قال تعالى:"والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلنا..."(69-العنكبوت) وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "الكيّس فيكم من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله." (رواه شداد بن أوس)
وإن تفعل فكأنّك تقتلع نبتة دخيلة خبيثة، وهو جُهد لاشكّ يورّث صاحبه لذّة إيمانية يجد حلاوتها في قلبه، وطمأنينة نفس وراحة بال وأنس وذوق ونور وفهم وحكمـة. أمّا الانسياق وراء الشّهوات واتّباع الهوى، فيورّث صاحبه مآسي كثيرة لا تعدّ ولا تحصى. ويكفي لمن كان له قلب أو ألقى السّمع ما قالـــه الشاعـــر:
رأيت الذّنوب تُميت القلوب  ويورث الـذلَّ إدمانُــها
حياة القلوب ترك الذّنوب  فخيـر لنفسـك عصيانـها
يأبى الله إلاّ أن يذلّ من عصاه.إنّ الله لا يعزّ من عصاه ولا يذلّ من والاه، بيده الخير وهو على كلّ شيء قديـر. فمن غلبته نفسه ووقع في المحظـور يكون قد أهان نفسه وانتكس وارتكس في أوحال الرّذيلـة، وانحدر نحو المعاصي والهـوان، فيشعر بالضّيق والإهانة والتقصير. وحتى لا تتمزّق الذّات لهفا وراء الشهوات فلا تضعْ لنفسك شهوة تشقيك، فصحتك أهمّ من شهوتـك، فكـنْ عاقلا واضبطْ المعادلة، وتحكّمْ في رغباتك. وهناك غريزة أخرى خلقها الله في الإنسان لإحداث التّوازن في حياته، ألا وهي غريزة تقدير الذّات.
فكلّما همّ الإنسان بمعصية أو شهوة حرام تحرّك في داخله وازع وضمير يزجره ويؤنّبه، أتفعل هذا وأنت أنت! وتقدير الذّات أن تتقبّل ذاتك كما هي، وتحقّق ماهيتك كإنسان، أن تدرك قيمة نفسك، وتتّخـذ موقفـا إيجابيا إزاءها، وقـد ثبت في الحديث الشريف: "اللّهم لمّ شعث نفسي". فالذي لا يعرف نفسه ولا يعي ذاته لا يحقّق إنسانيته ولا يؤدّي رسالته في الحياة كما ينبغي.
اكشــف ذاتـــك
لقد قسّم عالم النّفس الشّهير"جوهاري" الشخصية إلى أربعـة أقســـام:
منطقـة الوضــوح: وتعنــي باختصـار:اسمك، لقبك، ميلادك، أسرتك، شهاداتك، أعمالك وإنجازاتك ومواقفك، مسارك المهني والحياتي بصفة عامّة.
 منطقـة القنـــاع: أنت تعلم ما في هذه المنطقة، بينما لا يعلم الآخـرون عنها شيئا، هـي حاجات مدفونة لم تعلن بعد، يعبّر عنها بالفنون كالشعر والرّسم والتمثيل لأنه غيـر قادر على أن يقولها صراحة، فلا بدّ من التّفريغ الإيجابي بطريقة آمنة ولذلك قيل: الفنون جنون.

 المنطقـة العميـــاء: ما يعرفه عنك الآخرون ولا تعرفه أنت عن نفسك، مثال ذلك البخيل فهو لا يعرف عن نفسه هذه الصفة، بينما هي عند غيره كفلق الصبح.
المنطقـة المظلمـــة: أو المنطقة السوداء وتمثل لغز الإنسـان، الفرد فيها لا يعلـم شيئا والآخرون أيضا لا يعلمون عمّا يصدر عن هذه المنطقة. فهي منطقة يكتنفها الغموض والإبهـام، يسمّيها البعض بتناقضات العقلاء وهكذا فالإنسان كائن ومخلوق عجيب على درجة غير متناهية في الإعجاز. فما تعتقد أنّك عليه شيء، وما يعتقد الآخرون أنّك عليه شيء آخر، وما أنت عليه حقيقة شيء، وما ينبغي أن تكون عليه شيء آخر تماما.
وتتحقّق البطولة عندما أقيس المسافة بين ما أنا عليه فعلا وبين ما ينبغي أن أكون عليه، وقدوتنـا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال تعالى:" لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة" (21-الأحزاب) فحياتـه وسيرتـه العطرة وسنّته القولية والفعلية والتقريرية نموذج حيّ لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكـورا، وارتقـاء في سلّم ومدارج السّالكيـن، حيث مقامات الإيمان والإحسان والشّكـر لله ربّ العالميـن. وليس هـذا على الله بعزيز بل يتحقّق فعلا ببذل جهود صادقة مخلصة واعية ليكـون الإنسان في مستوى ما تتطلبه اللّحظة التاريخية من عبقرية وإبداع وموقف حضـاري راقٍ، مـن خلال التفاعل الإيجابي مـع عالم الأشياء والأشخاص والأفكار، كتنمية شاملة في مختلف أوجـه الحياة إنتاجا وإنجازا إضافة وتطويرا.
طبيعتـك النفسيـة ومزاجـك الشخصـي
وممّا يجب أن تعرفه طبيعتك النّفسية ومزاجك الشخصي, وأنت أين تصنّف نفسك ياترى ؟
1) الغارقــون فـي انفعالاتهــم.
المواقف هي التي تتحكّم فيهم، يفرح أحدهم بعمق ويحزن بعمق، يحبّ بقوّة ويكره بقوّة، فالتطرّف وعـدم الاتّزان العاطفي مهلك لا محالـة، بل ويتسبب في أمراض كثيرة نفسية وعقليـة وحتى عضوية. ألم تر ما حدث لقيس الذي وضع لنفسه صورة ذهنية أشقته لمّا بالغ في حبّ ليلى حتى الشّطط إلى درجة أن أصبح عبدا لهـا. ومثال الخنساء ومبالغتها في الحزن والبكاء على أخيهـا صخرعند موته في الجاهلية، فلما أسلمت وأُنبئت باستشهاد أبنائها الأربعة لم تفعل مثلما فعلت في المرّة الأولى، وكان سلوكها جدّ متّزنـا، فمن عدّل في سلوكها وجعلها تتغيّر بهذا الشّكل الذي لا يكاد يصدّق، نعم إنه سحر الإيمان وحلاوة التّسليم والرّضا بالقـدر خيره وشره. وقـد ثبت فـي الحديث الشريف: "أحببْ حبيبك هونا ما عسى أن يكون عدوّك يوما ما، وابغض بغيضك يوما ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما." تَرى أحدَهم مهموما مغموما مُحبطا دائم الحزن كئيبا كثير التّشاؤم تعيس، لا تعرف الابتسامة إلى وجهه سبيلا، وكأنّه يحمل هموم الدّنيا والآخرة كما يُقال. هذه لا شكّ حالات عاطفية سلبية غيـر متّزنة. وللشيخ الغزالي رحمة الله عليه تعليق جيّد إذْ يقول: "وليس القصد مصـادرة الطّبع الإنساني في إحساسه بالألم والسرور وإنّما القصد منع الاستغراق المذهل، فإن للفرحـة الطاغية نشوة تُخرج عن الصّواب، وللحزن الجاثم وطأة تسحق الإرادة، والمؤمن الذي يُبصر عمل الله في كلّ ما يمسّه لا يتخبّط بين هذه الانفعالات، فيرفعه هذا إلى القمّة ويخفضه ذلك إلى الحضيض. إنّه يلوذ بالاعتدال ويسيطر على أعصابه، وتلك بعض ثمرات الإيمان."(1)
2) ممّــن يعــي مشاعــــره
ويضبط عواطفه ويتحكّم في انفعالاته، يثق فيما زوّده الله به من قدرات وإمكانات، نظرته للحيـاة إيجابية متفائل يتفاعل عاطفيا ووجدانيا لكن بقدر واتّـزان. قدوته في أموره كلّها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاستمع إليه ماذا يقول؟ وكيف يتصرّف؟ عندما تنزل بساحته الملمّات والبلايا والمصائب ؟ قال صلّى الله عليه وسلّم عند وفاة ابنه ابراهيم وهو يعبّرعن مشاعر حزن طبيعية وباعتدال: "إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون." (رواه أنس بن مالك)

(1) ص 81 جدد حياتك- محمد الغزالي
والتحكّم في المشاعر والعواطف ليس معنـاه التجرّد منها، فمن لا يَرحم لا يُرحـم.ولكن أن تُدير نفسك باتّـزان، وخلاصته أن يتّصف الإنسان عند الغضب والانفعالات والمفاجآت بالتعقّل والحكمة، ومقابلة الأزمات متى ظهرت بهدوء ورباطـة جأش، وبالسيطرة على الأعصاب، لأنّ من ضبط انفعالاته حقّق ذاته ودامت علاقاتـه وطاب عيشه وسعد.
حفــر فــي الـــذات
هي امتداد لأسئلة طُرحت سلفا منها لماذا لم أنجح؟ لماذا لا أكون سعيدا؟ لماذا لم أتغيّر؟ وغيرها من الأسئلة التي إنْ خلوتَ بنفسك وأجبتَ عنها بصدق وبموضوعية تعرفْ نفسك، وهي مقاربة لمعرفة الذّات حقّ المعرفة، من خلال أسئلة دقيقة واضحة وصريحة في شكل "حديث مع الذّات".
1-هل أنت على طريق التّغيير؟
2- هل عندك عادات سلبية لم تقلع عنها لغلبة الهوى؟
3- هـل أنت متسرّع عصبي، شديد الحساسية اتجـاه الآخريـن ومـع ذلك لا تراعـي مشاعـر الآخريـن؟
4-هل تتحدّث عن نفسك ومواقفك وإنجازاتك كثيرا، وحتّى مع نفسك؟
5-ما هي نظرتك للآخرين من حولك، من هم أحسن منك وأعلم وأغنى.ومن هم أقلّ منك وأضعف وأفقر؟ بحقد للأعلى، وباحتقار للأسفل منك؟
6-هل تعتقد أنّك لم تُعْطَ حقك في الحياة؟
7-كيف هو ظنّك بالنّاس، حقودين مؤذين يكرهونك؟
8-هل أنت راضٍ بما قسم الله لك من رزق وأولاد ووالدين وزوجة وأصحاب وصحّة وبيئة ومكان تعيش فيه؟

9-هل تحب أن تُنْصح؟
10-هل أنت كثير الكلام ؟
11-هل تفكّر كثيرا فيما يقوله النّاس عنك، وتعمل لهم حسابا؟
12-هل تغضب لنفسك وتنتصر لها دوما؟
13-هل تمدح نفسك وتدافع عنها، ولا تحبّ أن تعاب، وتسوق المبرّرات لأن تكون أنت الصحّ وغيرك المخطئ؟
14-هل تسعى بالنّميمة، وتقبلها من الآخرين؟
15-هل تغتاب، وتقبل الغيبة؟
16-هل تكذب؟
17-هل تغدر؟
18-هل أنت مشغول بما لايعنيك؟
19-هل أنت متعصّب لرأيك، ولا تقبل الخلاف ولا المناقشة؟
20-هل تحب الأخذ ويصعب عليك العطاء؟
21-هل تشتهي أن تذلّ النّاس برغبة ولذّة وتجد في ذلك سعادة؟
22-هل تجد ثقلا في التواضع للآخرين؟
23-هل تحبّ النّوم ولا تريد أن تعمل أيّ حاجة؟
24-هل حدث مرّة أن منعت خيرا يأتي إلى الناس؟
25-هل كان باستطاعتك أن تردّ شرّا عن النّاس ولم تفعل؟
26-تقييمك للنّاس علـى قدر خدماتهم المقدّمـة لك، وعلى قـدر إرضائهـم لغـرورك، ونفاقهـم لك؟
27-هل أنت مرائي تحب أن تُمدح، متطلع لما لا تقدر عليه؟
28-عارف وزنك، قدرك، قيمتك؟
29- الهزل غالب على طبعك؟

30-هل تعترف بالخطأ وتتراجع ويسهل عليك التراجع والاعتذار؟
31-هل تتألّم وتتأثّر كثيرا عندما تُؤذى؟
32-هل تحبّ الشّماتة؟وترتاح لها؟
33-هل تغفرالأخطاء، وتتسامح وتنسى الإساءة ؟
34-هل أنت قلق مغموم مهموم، أم تخلق هموم، هل تعيش أوهام فعلا أم تختلقها ثم تشكو منها ثم تظنّ أنّها حقيقة وتبحث عن علاجها؟
35-هل تستطيع أن تأخذ قرارا في دقيقة واحدة أي تحسم الأمر؟
36-هل تحبّ المظاهر، المسافة كبيرة بين ما هو ظاهر عليك وحقيقتك ؟
37-أنت حريص بخيل أناني؟
38-أنت رقيق ليّن هادئ لطيف؟
39-أعداؤك يكرهونك ويحاربونك؟ 40-هل تحبّ أن تخدع نفسك، وتضحك عليها؟
تعليـــق:
وفـي الأخيـر، ماذا كانت النتيجة؟ أين وجدت نفسك؟ كيف وجدتها؟ المهمّ لا تحزن واحـذر أن يتسرّب إليك يأس أو قنوط، فإنّه كما قـال تعالى: "إنّه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون."
(87-يوسف) وقـال تعالى بشأن من أذنب كثيرا وقصّر في جنب الله وأسرف: "قـل ياعبـادي الذين أسرفوا على أنفسهم، لا تقنطـوا من رحمة الله، إنّ الله يغفر الذّنوب جميعا إنّه هو الغفـور الرحيـم." (53-الزمر) المهمّ أن تتوب وتؤوب وتعود إلى مولاك مهما كان الحال، وتعالج وتصحّح شؤونك الخاصّة والعامّة بتجديد النية والتوكّل على الله وطلب العون منه. أمّا هذه فلحظة مصارحة ومكاشفة مع الذّات حينما تخلو بهـا لوحدك لا لتجلدها، ولكن لتصحيح مسار ورد القطار إلى السكة.إذن ارسمْ خطة دوّنْ فيها نقاط القوّة عندك ونقاط الضّعف، أما نقاط الضعف فرتّبها كأولويات ثم اجتهدْ للإقلاع عنها، فالأصل في النّفس البشرية أنّها أمّارة بالسّوء إلاّ ما رحم ربّي، أمّا نفس المؤمن فلوّامة، وبالتزكية والمجاهدة والمحاسبة على ضوء الكتاب والسنّة، ووفق ما بيّنه أهل العلم قديما وحديثا، لأنّه ليس في مقدور أيّ كان أن يأخذ مباشرة من هذين المصدرين الجليلين. فنسأل الله عزّ وجلّ أن يبصّرنا بعيوبنا، ويوفّقنا لإصلاحها مثلما أمر به الشارع الحنيف، لنرتقي بها إلى مستوى النفس المطمئنة. قـال تعالـى:"يا أيّتها النّفس المطمئنة ارجعـي إلى ربّك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي."(27، 28 -الفجر) إنّّه ولي ذلك والقادر عليه ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيـم. إذن لا تنزعـج، هدّئ مـن روعك مهما كان فلست شيطانا رجيما ولا ملكا كريما، إنّما أنت إنسان بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. ولست وحدك الذي تعاني مثل هذا الضّعف فما عليك إلا أن تستعين بالله وتستمدّ منه الحول والقوّة والتوفيق لما يحبه ويرضاه، وتنطلق في خوض المعركة الحقيقية التي غفل عنها كثير من الناس، وتعلنها حربا شعواء ضدّ الهوى والنّفس والشيطان. وقد ورد فـي الدّعـاء: "اللّهم إنّي أعـوذ بك من شرّ نفسي، وشّر الشيطان وشركـه." فجهاد النّفس هي أكبر وأعنت وأشرس معركة في الوجود على الإطلاق، إذْ على ضوئهـا يتحدّد مصير الإنسان في العاجل والآجل قـال تعالـى:"وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النّفس عن الهوى، فإن الجنّة هي المأوى."(40، 41-النازعات) وقال بعض الحكماء: "من قوي على نفسه تناهى في القوّة، ومـن صبرعلى شهوته بالغ في المروءة."وقـال الإمام البصيري رحمه الله:
وخالف النّفس والشّيطان واعصهما  فإن هما محضاك النصح فاتّهم


05 المحطـة الثانيـة:الغايـة مـن الوجـود
مــاذاأريــــد؟
أنا لا أقـول لك: خذ بنصيحتي- إن كنت عاقلا- ولكن خذ بنصيحة خالقك ومولاك قال تعـالى: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، ولا تعدو عيناك عنهم، تريد زينة الحياة الدنيـا.."(28-الكهف) وقـال تعالـى: "...منكم من يريد الدّنيا، ومنكم من يريد الآخـرة..." (152-آل عمران) وقـال: "فمن الناس من يقول ربّنا آتنـا في الدّنيا وما له في الآخـرة مـن خلاق، ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنـاعذاب النـّار."
(200-201 البقرة) وأنت ماذا تريد بالضّبط ؟ هل أنت ممّن يستهدفون في سعيهم مرضـاة الله ؟ أي ممّن يريـدون وجهه كما ذكرت الآية الكريمة السّالفة الذّكر؟ كنْ صريحا صادقا مع نفسك وأجب بدقّة، واكتبْ الإجابة وتأمّلها جيّدا. ثم انظرْ إلى مدى تجليات هذه المعاني الجميلة على حياتك اليومية في الخلوة والجلوة، وحدك ومع الناس، في حركاتك وسكناتك وتوجهاتـك ومواقفـك الفرديـة والأسريـة والاجتماعية، وماذا تجد ياتُرى؟ هل قصدتَ وجه الله في كـلّ ذلك؟ مَن يدري؟ لعلّ همّك الوحيد هو العمل وكسب الرّزق دون الالتفات إلى أمـور أخرى، إن كنتَ كذلك فهذا ابن عطاء الله السكندري يقدم لك نصيحة غالية فتأمّلها جيّدا: "اجتهادُك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك دليل على انطماس البصيرة منك." فالله عزّ وجلّ طلب منّا العبادة وضمن لنا الرّزق، قال بشأن الأمر الأول:"ومـا خلقت الجن والإنس إلا ليعبـدون..." (56-الذاريات) وقال بشأن الأمر الثاني:"إنّ الله هو الرزّاق ذوالقوّة المتين."(58-الذاريات) وفـي الحديث الشريف: "لو أنكم توكلتم على الله حقّ توكّله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا."(رواه عمر بن الخطاب) فالأصل الاجتهاد في العبادة لأنّها أمر مأمور به شرعا قـال تعالـى:"وأنا ربّكم فاعبدون."(92-الأنبياء) ثم الضّرب في الأرض لطلب الرّزق لأنّه أمر مضمون، بعد التوكّل على الله والعمل بالأسباب. قال تعـالى: "وفي الّسماء رزقكم وما توعـدون."(22-الذاريات) فإذا عكسْتَ الآية أي فرّطتَ في العبـادة وحرصتَ على طلب الـرّزق، تكون قـد عكستَ الآيـة فيحـدث الخلل والإشكال، أو تنطمس البصيرة والعياذ بالله كما ورد في الحكمة. فالغاية من خلق الإنسان عبـادة الله أوّلا، ثم السّعي لطلب الرّزق وتعمير الأرض وتسخير الكـون. والعبادة هنا بمفهومها الشامل لأنّها تضيق عند البعض فتنحصر فـي: الصّلاة والزّكاة والحجّ والصّوم. وهذا فهم خاطئ مجتزئ وقاصر، وتتّسع عند آخرين فتشمل كلّ شيء في الحياة. فهي "تبدأ من فراش الزّوجية إلى العلاقات الدّولية" كما قال الدكتور محمد راتب النابلسي. حيث تصطبغ حياة المؤمن كلّها بالعبودية لله في كلّ أموره حتى البسيطة منها. والخلاصة أن سرّ وعلّة الوجـود عبادة الله، وسلامة الوجود بالطّاعات المفروضة والأعمال الصالحة، وكمال الوجود بالقرب من الله والإكثار من ذكره ، واستمرار الوجود بتربية الأبناء على طاعة الله ومنهجـه، إذْ بها يتحقّق المأمـول فيسعد الإنسان في الدّاريـن. وقد التزم الله عزّ وجلّ مقابل عبوديتنا له على أن يحيينا حياة طيبة. قـال تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة."(97-النحل)
متـى تشعـر بالسعـادة ؟
لو سألت كلّ إنسان عاقل فطرته سليمة، ماذا تريد في هـذه الحياة؟ لأجاب فورا وبعفوية أريـد الصحّة والعافية، أريد راحة البال والهناء، أريد السّعادة. ولذا طرحنا هذا السّؤال سلفـا، لماذا لا أكون سعيدا ؟ باعتباره سؤالا محوريا فلسفيا يتصدر أسئلة كثيرة يمكن للإنسان أن يطرحها على نفسه كي يدرك مكانه الحقيقي في هذه الحياة، وبالتالي يؤدي دوره ورسالته بنجاح.
سأل أحـد الصّحفيين في قناة النّجاح عيّنة من النّاس تمثّل مختلف الشّرائح في إحدى البلـدان العربية وهي دولة الكويت وهذا سنة:2006.
* متى تشعر بالسّعادة ؟ فكانت إجاباتهم كالآتي :
1) عندما أُنجز أهدافي بإتقان.
2) عندما أُرضي ربّي.
3) عندما أجلس مع السّعداء.
4) عندما أُحِسّ أنّني أدّيتُ واجبي.
5) السّعادة تأتي من الدّاخل.
6) عندما تكون الأمّة كلّها بخير.
7) إذا رأيت الآخرين من حولي سعداء.
Cool عندما أرى البسمة على وجه طفلي.
9) لمّا أحقّق طموحاتي وأحلامي.
10) عندما يكون القلب مفعما بالإيمان.
11) لمّا يرضى عنّي والديّ.
12) لمّا يكون ضميري مستريح. 13) عندما أحقّق شيئا.
قـراءة وتحليـل الإجابــات
لمّا تفحّصت الاستجواب الشّفهي الذي أجراه هذا الصّحفي بالدّراسة والتّحليل وجدته يتمحور فـي نقاط رئيسة أربع تمثل المحطات الكبرى والعلاقات الأساسية التي إذا أدّاها الإنسان وبتوازن نجح.

*العلاقة مع الذّات في:(4. 5. 12)
*العلاقة مع الغيرSad 3. 6. 7. 8. 11)
*العلاقة مع الإنجاز والإضافة: (1. 9. 13)
*العلاقـة مـع الله: (2. 10)
إذن فالسّعادة والنجاح في الحياة يتحققان إذا تفاعلنا إيجابيّا مع المحطات الأربعة وباتزان، إنها معادلة واقعية يمكن لكل إنسان أن يُحققها على أرض الواقع، أساسها اتّصال بالله قويّ وتواصل صحيح وإيجابي مع عناصر الكون والطبيعة.
مـن هـو الشخـص السعيـد؟ هـذه بعـض صفاتـــه:
هـو إنسان متفائل يعيش بالإيمان والأمل بالعمل والكفاح، يجتهد في طلب العلم وتحصيله دائم الابتسامـة، منظّم لشؤونه، هوشخص يصرّ على أن يُكمل طريقه مهمـا كانت العقبات، إيمانـه بالله قوي واثق من نفسه وقدراته تقديره لذاته إيجابي، لا يتأثّر بآراء الآخرين كثيرا ولا يتسّرع في إصدار الأحكام. مرن يخوض المغامرات من أجل التغيير، كما يمتلك قوّة أفكار ومقترحات وبدائل وخيـارات عدّة، لا تخدعه الأكذوبة والتّلبيس. لـه قدرة عالية على حلّ المشكلات التي تواجهه، وعلى تحمّل الشّدائد ومقابلة الأزمـات متى ظهرت بعقل متفتّح وقلب كبير،له إنجازات عديدة ذو أثر نافع في النـّاس، إنسان متّزن طموح متواضع يحبّه الآخرون، اجتماعي متواضع ناجح في حياته فهو كالغيث أينما وقع نفع كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
06 المحطة الثالثة: تنظيم الذات.(عملاق)(م)المبــادرة
كيف أصـل إلـى مـا أريـد؟
بعد أن عرفتَ: من أنا؟ وماذا أريد؟ وهي إجابـات تمثّل الوعي بالذات، أولوية الأولويـات وهو شيء جميل ورائع، لكن الأجمل منه والأروع أن أعرف: كيف أصل إلى ما أريد؟ تجد الكثيريـن يتحدّثون عمّن أنا؟ وماذا أريد؟ لكن قلّة هم الذين يتناولون محور كيف أصل إلى ما أريـد؟ ولذلك قال أحدهم: "الرّجال العظماء يخبرونك كيف تصل إلى ما تريد، أمّا الرّجال الأكثر عظمة هم الذين يأخذونك إلى هناك." فالنّجاح مثلا كلّنا يتمنّـاه ويطمح إليه ويتحدث عنه، لكن قلّ من يصل إليه وأقلّ منه من يحافظ عليه، والمبادرة تأتي عادة بعـد التأمل والتفكير والتخطيط ثم الانطلاقة والتحرّك الميداني، يليه تقييـم ومراجعة وتعديل، ثم إعادة بناء ورسم خطة أخرى لاستئناف السير وتحقيق إنجازات أخرى على الطريق، ولذلك قيل: تحركوا فإن في الحركة بركة،نعم إنها المبادرة.
تأمــل أولاً..
قال تعالى في محكـم التنزيـل: "قل انظروا..."(13-الحديد) قال الشاعـر الحكيــم:
تأمّـــل سُطـور الكائنـات فإنّـها  مـن الملإ الأعلى إليــك رســــائل
تأمل في ذاتك، وفي كون الله الفسيح من حولك، وفي مخلوقاته المتناهي فيها في الكبر وفي الصّغر على حـدٍّ سواء، تجد العجب العجاب، قال تعالى:" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت، وإلى السماء كيف رُفعت، وإلى الجبال كيف نُصبت، وإلى الارض كيف سُطّحت..."(17، 20-الغاشية) وفي كلّ مشهد آية على أنّه الواحد الأحد الفرد الصّمد الذي لم يلِدْ ولم يُولَدْ ولم يكن له كفؤًا أحد. وهـل يكفـي أن يعرف الإنسان الحقيقـة ويصل إليهـا، أم هناك التزامات وتبعات أخرى؟ طبعا لا يكفي أن تعرف الحقيقة، بل لابد من العمل بها، والدعوة إليها في كلّ حين وعلى كـلّ حال وفي أيّ مكـان. عندما أخلـو بنفسي وأجلس أفكّر وأبحث عن الكيفيـات والأساليب المشروعة وأتلمّس الطرائق والوسائل والآليات اللازمة، وأتحرّى الأماكن والأوقات المناسبـة. وأحدّد رسالتي العامّة والخاصّة في الحياة، كما يمكنني أن أضع لنفسي أهدافـا أسعى لإنجازهـا على أرض الواقع في تدرّج وعبر خطوات ومراحل متتالية. لا شك أنني بهذا أحقق أحلامي وطموحاتي. أمّا من يتحرّك دون أن يتأمل، بدون منهج بدون خطة بدون منطلقات ومبادئ بدون علم، فهو كمن يحوم حـول الحمى أو كمن يقصّ على غير مفصل كما يُقال. فالتأمل سلاح العظماء وكلنا في حاجة ماسة إليه، وإذا كنتَ ممّن وهبهم الله كلّ هذه القدرات الهائلـة، ورغم ذلك غير راضٍ عن أدائك وعن حياتك بصفة عامّـة، ولم تتحرّك بعـد للتغيير وتطوير ذاتك، أقـول لك إنّك مقصّر جدّا وبالتالي فأنتَ أحوجُ مايكون إلى بعض الدقائق أو الساعات تخلو فيها بنفسك وتفتح فيها سجل حياتك ثم تنظر فيه.
أن تخلــو بنفســك
وتكون لك وقفات بعيدا عـن ضجيج المجتمع وهرجه ومرجه، إلى عزلة وخلوة غير دائمتين من حين لآخر، تجلس لوحدك، وتقول في نفسك مثلا: هل أنا أجتاز جسرًا منصوبًا بين ماضٍ انطلقت منه ومستقبل آتٍ سأسير إليـه؟ وبالفعل تجد نفسك أنك تجتاز جسـرًا إلى الله تعالى، أوّل أبوابه الموت، جسر طوله سنوات عمرك، وعرضه هذه الكرة الأرضيـة، ومع ذلك فعمرك الذي تعيشه بالقياس مع ما أنت صائرٌ إليه أتفه بكثير، كقطرة ماء بالنسبة إلـى مياه البحار والمحيطات هل تقاس؟ فأنت تعيش لحظة فـي رحم الزمان كالجنين في بطن أمه، تعيش مرحلة حمل معينة ولسوف تخرج من هذا النّفق إلى سعة الحياة الحقيقية المستقرّة الخالـدة، التي هيّأها الله للإنسان، إمّا نعيم مقيم وإمّا عذاب دائم. أليست هذه الحقيقة؟ بلى إنّها كبد الحقيقة. قال الصحابي الجليل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "متى السّاعة؟ فردّ عليه: وماذا أعددت لها؟ وقـال الشاعــر:
لا دار للمرء بعـد الموت يسكنها  إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنـه  وإن بناها بشـرّ خاب بانيهـا
يقول الفيلسوف العربي ابن عطاء الله السكندري في إحدى حكمه المشهورة: "ادفن نفسك في أرض الخمـول، فما نبتَ ممّا لم يُدفن لا يتمّ نتاجه." ومفاده: أن تمضي شطرًا كبيـرا من عمرك وأنت مختبئ في تلابيب البعد عن أضواء الشّهرة والبعد عن ضوضاء الناس، فالنواة أو البذرة يجب أن توضع في باطن الأرض، وتمضي مدّة عليها كافية وبعدها تنبت وتثمر، فهذه القوّة لم تكن لتتحقق لهذه النواة لو لم تُدفن في الأرض وكذلك الإنسان، وليس الدّفن مستمرًا وإنما إلى حين.
والعزلة لا بدّ لها من لباس التأمّل والتدبّر، إذ لا يمكن للمنغمس في صخب المجتمع والناس أن يفكر جيّـدا، فالتّشتت والتّشويش حاصل ولا بـدّ، والرّغبات والأهواء والشّهوات تحول دون تحقيق هذه الفائدة، فالسبيل للتخلص من ذلك: أن تجعل في ال24 ساعة ولو ساعة واحدة، تخلو فيها بنفسك، عندئذ يقوى العقل وتكون القيادة له، فسرّ ربح التاجر ليس وقت البيع للزبائن، ولكن هي الساعة التي ينفرد فيها بنفسه ويقيّم أعمالـه. وهو المقام المناسب لطرح الأسئلة المشهـورة، من أنا؟ وماذا أريد؟ وكيف أصل إلى ما أريد؟ مع العلم أن الأجوبة الدقيقـة والصحيحـة عن هذه الأسئلة المهمة وأمثالها لا تحصل إلاّ إذا خلوتَ بنفسك وجلستَ وتأملتَ. مثل هذه السّاعات القدسية إذا لم تبادر بها قـد يأتيك الموت بغتة فيخطفك دون أن تحقق ما تريد. من هذه الأسئلة المطروحة أيضا: هل أنا ملك نفسي؟ أنا ملك مـن؟ والدّنيـا كلّها ملك من؟ هل أنا قـوي أم منفعل بالقوة؟ وستجـد أنّك إنسان ضعيف كالشريط الذي يمر، وستجد أنّك شيء لا حراك فيك ولا قوّة لك، فأنت منفعل بالقوّة ولست فاعـلا لها، فهل يعلم الإنسان هـذه الأمور الغالية فـي النوادي أو في المقاهي؟ ففي الخلوات يعرف هذا ويصل إليه. ففي الخلوة تستطيع أن تفكر برويّة وصفاء وبموضوعية وبدونها لا تستطيع، وخاصّة في هذا العصر حيث تشتدّ ضرورتها. إسمع إلى هذا المقطع مـن حديث نبوي شريف، يقول فيـه المصطفى صلى الله عليه وسلم:"عليك بخاصّة نفسك، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت." والخطاب في الرّجوع إلى خاصّة النفس موجه إلى المجتمع كلّه. فلو أنّ كل فرد من هذه الأمّة أخذ نفسه بهذا الأمر لَتَحقّق المرغوب. أمّا السّطحيون فيظنّون أن هذا أمر سلبي، وانطـواء على النّفس وانعزالية مقيتة وهروب من المجتمـع. فعلى كل كيّس فطن أن تكون له جلسات مـع نفسه من حين لآخر ومراجعات دورية بتسليط الأضواء على ماوقع فيه من أخطاء وزلات -وجلّ من لا يُخطئ- وتقييم شامـل لمسار حياته الفردية والاجتماعية، من أجل التعديل والتصحيح والتحسين والتطوير وحتى يكون يومك خيرا من أمسك، وغدك خير من يومك، وإلاّ كنت مغبونا.
فحــص الـــذات
عندما تدفن نفسك في أرض الخمول، وتجلس تبدأ تفكر برويّة وهدوء فتأنس بها، وتتأمل وتبحث عن أدوات فحص الذات وسبر أغوارهـا والغوص في أعماقهـا، للكشف عن خباياهـا ومكنوناتها لاستخراج كلّ ما هو جميل ورائـع، وملامسة الطاقـات العجيبة المتنوعـة والقدرات الخلاّقـة والمواهب العامّة والخاصّة التي تفضّل الله بها على عبـاده، شأن ذلك شأن الكنز المكنـون. فكلّ شخص عالم بذاته. وقد ثبت في الحديث الشريف: "اعملوا فكل ميسّر لما خُلِق لـه."وأنت ما الذي أنت ميسّر له؟ ما رسالتك العامّة والخاصّة رؤيتك أهدافك قدراتك ومواهبك؟ ما طبيعة العمل الذي تميل إليه وترغب، وتجد فيه ذاتك؟ ماذا تتقن من مهارات وتمتلك من كفاءات؟ ماهي أحلامك وأمنياتك وطموحاتك؟ ماذا تريد أن تكون؟ ماالذي تريد تحقيقه من خطط ومشاريع؟ ماذا أنجزت ومالم تنجز؟ أفصحْ عمّا تريد أين تتجه فين رايح؟ أقصد في مشيك يرحمك الله، فالوقت ليس من ذهب الوقت هـو الحياة. أن تعرف نقـاط القوّة عندك ونقاط الضّعف أي ترصد إيجابياتـك وسلبياتك بكل موضوعيـة وبدون عاطفة، أن تنظر جيدًا لتتعرّف على مصادر قوّتك وتعمل على تنميتها، وعلى مصادر ضعفك وكيف تتغلب عليها. أن تقرأ سجل كتابك مالك وماعليك."حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا." ثم تستأنف السّير وهكذا في كلّ مرّة. تفعل ذلك في نهايـة اليوم والأسبوع والشهر والثلاثي والسداسي والسنـة. فإن وجدتَ خيرا فاحمد الله، وإن وجدت غير ذلك فعدّلْ وصحّحْ وغيّرْ، وانْوِ مجدّدا واستعن بالله ولا تعجز. وبإمكانك أن تستفيد من الآخرين كناصحين لك، حتى خُصومك وأعداؤك تسمع لهم وتأخذ كلامهم على محمل الجدّ وليكن ذهنك مصفاة لما تسمعه وأحسن الانتقاء لتحسن الارتقاء في مدارج السالكين. كمـا أنّه بإمكانك أن تستفيد من كلّ صديق مخلص أمين. قــال الشاعـــر:
وإذا بلغ الرّأي المشـورة فاستعـن  برأي نصيح أو نصيحة حازم
أو تجالس مربّيا ذو بصيرة نافذة، أوعالم جليل تقيّ ورع حكيم ذو تجربة وخبرة، فهـذا عُمَر بن الخطّاب الصّحابي الجليل وهو من هو الفاروق رضي الله عنه يقول في تواضع: "رحـم الله امرءً أهدى إليّ عيوبي."ويقـول:- ردّا على من قالوا له ناصحيـن: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحدّ سيوفنا" -"لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها." لكن يبقى العامل الخارجـي لا يُعَوَّل عليه كثيرا إلاّ بنسبة محدّدة، قد تصل إلى:10%.لأن الرّغبة الدّاخلية في التغيير تمثّل العامل الأساس والنسبة المئوية الأكبر والتي قد تصل إلى:90% .
التحكّــم فــي الـــذّات
أهمّ جانب من جوانب الشخصية هو القدرة على ضبط النفس والتحكمّ فيهـا، وبالتالي التحكم فـي الدّوافع والأسباب للحيلولة دون انتشار السّلوكيات السّلبية والسّيئـة، لأنّك إذا استطعت قيادة نفسك فأنت على غيرها أقدر.فهل تصرّفاتك تسيطر عليك، أم تملك زمام أمورك؟ فالذي ينهزم أمام نفسه وأمام الهوى لا يستطيع أن يواجه نملة، وقد ثبت في الحديث الشريـف: "الشّديد من غلب نفسه." وإذا سبّك أحد ماذا تفعل؟ تغضب أم لا؟ بيدك الفعل الأوّل والثّاني. فهذا عمر بن عبد العزيز-رضي الله عنه-حينما أغلظ معه أحد النّاس في القول قائلا له: "أأعمى أنت؟ "ردّ عليـه بهدوء:"لا" فقالوا له: أيسبّك، وتقول له: "لا" فلم يَزِدْ علـى أن ابتسم. فموقفه ينـمّ عن قدرة عالية في التحكّم في مشاعـره، ووقفته كانت عند السّبب وليس عند النتيجة. إنّ معظم مشاكلنا معلّقة لم تحلّ لأنّنـا ماكثـون عند النتائج لانبرحهـا، تشدّنا الظّواهر والسّلوكـات دون أن نفكّر ونبحث في الدوافـع والأسباب الحقيقية. وهكذا يتحوّل إلى ملك من يملك نفسه ويبصر قصده. فالعاقل يقف عند السّبب والدّافع الذي من وراء هذا السّلوك، لتجاوز الإشكال المطروح في الحين دون انفعـال. والسـؤال المطروح على كلّ واحد منّا؟ كيف أتحكّم في انفعالاتي؟ كيف أسيطر على مشاعـري؟ فمن الذي يقود الحافلة ياترى؟ أليس هو قائد الحافلـة وربّان السّفينـة؟ وأنت مشاعرك مواقفك حياتك من الذي يقـودها؟ نعم بيدنا القدرة علـى الفعل على القيادة على اتّخاذ القرار.إنّ المرء الذي يضبط أعصابه أمام الأزمـات، ويملك إدارة مـا حوله يظفر في النّهاية، وإلاّ فما الذي تستفيده في الدّنيا والآخرة عندما تفقد رشدك بسبب محنة حلّت بـدارك، فمنطق الإيمان يفرض ويوجب نسيان هذه المصائب واستئناف الحياة. إذن حياتك مشاعرك أنت المسؤول عنها، تغييرها يقـع علـى عاتقك وحدك دون غيرك. قال الصّحابي الجليل عمر بـن الخطاب رضي الله عنه: "العاجز من عجـز عن سياسـة نفســه."
أستطيـع أن أديـر حياتــي
لأنّ تصرّفاتنا نابعـة عن قراراتنا لا عن مشاعرنـا، وقراراتنا تخضع لمبادئنا وليس لمشاعرنـا وردود أفعالنا. تراه كثير الشكوى يردّد كثيرا هذه العبارات السّلبية ويجعل منها مشجبا يعلّق عليه كلّ سقطاته وزلاّته "هذه طبيعتي..،إنّها الوراثة.. ما عساني أن أفعل؟ كلاّ إنّك تستطيع أن تتحكّم في مشاعرك في سلوكك، أمّا كيف؟ إجلس توضّأ، وقد ثبت في الحديث الشريف: "إنّي أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الشيطان." وتلك المرأة التي وجدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تبكي فقيدها، فقال لهـا: "اصبري يا أمة الله" ولم تكن تعرفه فقالت له: "إليك عنّي إنّك لم تُصَب بمصيبتي، فلمّا أُخْبِرت بأنّـه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، جاءت تعتذر فقال لها رسـول الله صلّى الله عليـه وسلمّ :" الصّبر عند الصدمة الأولى " (رواه أنس بن مالك) فهذه المرأة كان بإمكانها أن تصبر بإصدار قرار داخلي، ولكنّها لـم تفعل، إنّـه مجرّد تصرّف. هكذا حال الناضج يعيش بهذه الطريقة، ولسان حاله أنا الذي أقرّر أبادر أدير حياتي. أنْ أغيّر هذه قضيّة بيدي، دون أن أفقد صوابي بسرعة عند الملمّات أو عندما تواجهني مشكلـة، فلا بدّ من الضّبط والتحكّم في المشاعر والمواقف لاتخاذ القررارات الصّائبة. وبالتّالي فالمسؤولية أن تتحكّم في سلـوكك وتصرّفاتك وتوجّهها بناء على المبادئ والقيم الصّحيحـة، وأنّك ستحاسب علـى أقوالك وأفعالك في الدّنيا والآخرة. قال تعالـى: "ومن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يـره." (7، 8 - الزلزلة) وقال أيضـا:"ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبّة من خردل آتينا بها وكفى بنا حاسبين." ( 47-الأنبياء) والشقـيّ من فقـد قراره والشّجاع الحكيم هو من اتّضح قراره، أحيانا يقول لا إذا اقتضى الأمر، وأحيانا يصبر على المكروه لنيل رضى الرّحمان وابتغاء الأجر لا غير.
الاختيــار الحــرّ الناضــج
هل مفهوم الحريّة: أن تتصرّف كيف تشاء؟ بدون ضوابط وبدون حدود؟ مع العلم أنّه لا توجد في الوجود حريّة بلا قيود.الحريّة الحقيقية ليست طيشًا ولا تهوّرَا ولا إباحية.الحريّة الحقيقية: ألاّ تكون عبـدًا للشّهوات وللدّينار والدّرهم، ولا لأيّ جهـة كانت إلاّ لمولاك الواحد الأحد. وبالتالي تلتزم بالضّوابط ولا تتعدّى الحدود التي وضعها الشارع الحنيف.الحريّة أن لا تكون عبـدًا حتّى للهوى، أن تتّفق مواقفك مع قيمك، وإذا تناقضتْ أرفضْها وأرم بها عرض الحائط. فحياتك ليست لعبـة تحرّكها الأهواء أنَّى شاءت، إنه اختيار ناضج مبني على أساس مبادئ وقيم ومُثل عليا أصيلـة.
الحريّـة أن تعرف نفسك حقّ المعرفة وتحتـرم ذاتك وأن تكون لك عزيمة مستقلّة وإرادة قويّـة وتجتهد لتحسن الاختيار. الحرية من أقدس القيم الإنسانية.

بوراس بوعلام
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 203
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 25/11/2008
العمر : 39

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://soukahras.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: صناعة الذات " عماري جمال الدين

مُساهمة من طرف بوراس بوعلام في 2012-04-20, 1:38 pm


التغييــر يبـدأ مـن الدّاخـل
لمـاذا لم أتغيّر؟ سؤال يطرحه كلّ فرد على نفسه وهو ضمن الأسئلة السّالفـة الطّرح والجواب ببساطة واختصار، لأنّك لـم تُرِد ذلك، وكما يقول المثل الفرنسي المشهور: "لوتريد تفعل." لأنّـه ليس بمقدور أيّ قوّة أن تغيّر في حياتك إلا أنت، العوامل الخارجية بشرية أو مناخية أو غيرهما يمكن أن تؤثّر فيك فقط، أمّا التغيير فيحدث من داخل النّفس، عن قناعة داخلية وبإرادة ذاتية. والتغيير نوعان: تغيير خارجي بصدمـة، وتغيير داخلي مبني على اقتناع، وعادة ما يكون بعد تأمّـل وتفكير فتنشأ إرادة واختيار يتولّد عنهما قرار. والنّوع الثّاني أفضل، فأنت تتغيّرعندما تريد وتقرّر أن تتغيّر. ويحدث التغيير من الدّاخل من ذواتنا عبر قوّة الدّفـع الدّاخلـي وتمثّل أكثر من 90% فنكـون في أحسن وضع بأفضل الحلول وأفضل الخيـارات والبدائل وخاصّة إذا كنّا نتوفّرعلى الرّغبـة الصّادقة والإرادة القويّة في هذا الاتّجاه. قال الشيخ الغزالي:"فالتربية الإسلامية أوغلت إلى حدّ هائل في دراسة النّفوس وأحوالها، والقلوب وأطوارهـا، مستهدفة في هذه الدّراسة جعل السّعادة العظمى تنبع من داخل الإنسان لا من خارجـه، ومغرية المرء أن يرتقب في آفاق نفسه وحدهـا كواكب اليمن والإقبال والرضوان. فإذا طلعت بعد طول رياضـة وتجرّد وصدق وإخلاص، فهيهـات أن يدرك شعاعها أفـول." والتغيير ليس أمرًا سهلاً وفي الوقت نفسه ليس مستحيـلا، فإذا توفّـرت الرّغبة الصّادقة والمقدرة الفعلية تنجز الكثير، وإذا استطعت فعلا أن تحدث التغيير، كأن تتخلّص من بعض العادات السيئـة وتستبدلها بعادات حسنة، عندها ستنظر إلى الماضي وتبتسم وتسأل نفسك قائلا: لماذا لم يحدث هذا التغيير منذ زمان؟ لماذا كان كلّ هذا التردّد والتخوّف والتباطؤ؟(1)
التغييــر وسيلـة وليس غايــة
قال تعالى:" إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم."(11-الرعد) ولتحقيق هذا الغرض لا بدّ من وعي عميق وفهم دقيق لسنن التّغيير في الأنفس والآفاق، لا بدّ من العلم والعمل لا بدّ من التزكية والمجاهدة. فالنّتيجة لا تأتي هكذا دون بذل جهد في هذا الإتجاه.



(1) ص:110-جدد حياتك-محمد الغزالي
إذن حدّد موقعك أين أنت الآن؟ وماذا تريد بالفعل؟ ثم بادر إلى التنفيذ ولا تتردّد ولا تتوقّف، ولا تستعجل قطف الثّمار قبل الأوان، فالزمن جزء من العلاج أمّا كيف؟ غيّرْ من طريقة تفكيرك، غيّرْ من النّظام الثابت لديك لأنّه إذا مااستمر الإنسان في فعل الشيء نفسه وبالطريقة نفسها فلا يتوقـع إلاّ النّتائج نفسها، والطّريق الوحيد لتغيير المخرجـات تغيير المدخـلات.
افعل شيئا مختلفا عن عاداتك، اكسر الدّوائر المغلقة من السبب إلى النتيجة وستنجلي أمامك دروب النّجاح ويتحقّق التغيير المنشود، غيّرْ تتغيّرْ، الأمر بيدك أنت وحدك، والتغيير مجرد وسيلة أمّا الغاية فهي السعادة، فنحن لا نغيّر من أجل التغيير ولكن من أجل إسعاد أنفسنـا، وإسعاد الآخرين من حولنـا. فاسلك طريق السعادة تصل إليها بإذن الله تعالى، وحقّقِ الشّرط الذي ذكرته الآية11 من سورة الرعد وغيّرْ ما بنفسك يُغيّرُ الله حالك إلى أحسن حال، إنها قاعدة قرآنية وقانون ربّاني، من التزمه فاز ونجـا وسعـد.
وانظر إلى العالم من حولنا في حالة تغيّر دائم، ومع كلّ تغيير يأتي تولد فرصة جديدة أمامك، وستندهش من عدد الفرص التي طرقت بابك في يوم واحد دون أن تلتفت إليها. لا تركّز على المشاعر والعواطف بل ركّز على التفكير والفعل، فمن فكّـر ولم يفعل كمن فعـل ولم يفكر. ركّزْ على السبب لا الأثر أو النتيجة. حرّر عقلك لتحقّق متعتك ثِقْ بما عند الله، وبما زوّدك به القدر من طاقـات وقـدرات، أخرجْ من داخلك قرار التّغيير ولا تتردّد، فالزّمن يمضي لا ينتظر.
التغييـر يسيـرعلـى مـن يسّـره الله عليـه
دليل ذلك الصّحابة رضوان الله عليهم كيف كانوا في الجاهلية وكيف أصبحوا، كذلك الكافر حينما يسلم لا شكّ أنه يشعر بتغيير جذري في حياتـه، فالنّاس يتغيّرون في معلوماتهم، في حاجاتهـم وأهدافهم، في قدراتهم ولذلك قيل عن الفتوى في الفقه الإسلامي أنّها تتغيّر بتغيّر الزّمـان والمكان
والعرف والحال وهكذا...فسبحان مغيّر الأحوال من حال إلى حال ونعوذ بالله من حال أهل النار. وأنت بعد التغيير، تصبح بوجه آخر لكن بأسلوبك واختيـارك وقـرارك السيّد وكامل حريتك. فالتحدّي في الحياة أن تغيّر نفسك، وتسير على ذلك لتصبح الشّخص الذي تريد أن تكونه. وتستغلّ طاقاتك الكامنة لتكون أكثر توفيقًا ونجاحًا وانتصـارًا وسعادةً. إذن يمكن للإنسان أن يُحدث تغييرًا جذريًا في حياتـه ومن يقول عكس هذا فهو مخطئ.غيّرْ من عاداتك وخاصّة السلبية منها اقلع عنها أهجرها، إنّه بإمكانك أن تفعل. فأنت مثلا في طور الشباب لست أنت في طور الكهولـة، وأنت قبل أن تتعلّم وتكسب خبرة لست أنت بعد انتهاء المرحلة التعليمية واكتمال النّضج لديك، مما يدلّ على أنّ تغييرا كبيرا قد مسّ حياتك في جوانب عدة. إذن خالطِْ الأخيار من الناس، احتكْ بالنّاجحين والمتميّزيـن تستفِدْ وتنجحْ وتتميّزْ. حينما تغيّر المكان والمناخ والعباد لا شكّ تتغيّر فـي أسلوب تفكيرك وطريقة معاشك وفي نظرتك إلى الأشياء...إلخ) فأنت على طريق التغيير فلا تستعجل يكفي أن تسلك طريقه، وتلتزم ببعض الضوابط والالتزامات والأعمال المشروعة.
هـل أنتصـر للعقـل أم للعاطفـة ؟
تجسيدًا لمبدإ التحكّم في الذّات، الذي كلّه مصلحة وخير للإنسان، فإنّنا في خضمّ صراعات الحياة ينبغي أن ننتصر للعقل والحقّ وليس للانفعالات والعواطف. وقدوتنا في ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي كان ينتصر للعقل بل للحقّ والحادثة المشهـورة: "آأشفع في حدّ من حدود الله؟ والله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها." وقوله صلّى الله عليه وسلّم لأقرب النّاس إليه: "يا صفية عمّة رسول الله اعملي فإنّي لا أُغني عنك من الله شيئًا."وقوله :"من أبطأ بـه عمله لـم يُسرع بـه نسبـه." فلو حكّم الإنسان عقله دائما وحكّم شرع الله في كل أموره ماخسر قضية. وتغييب العقـل خسارة كبيرة للفرد وللأمّة.
ففي الجاهلية مثلا كـان العقل مُغيّبا وكانت السيطـرة والغلبة للقلب والعواطف، وإلاّ كيف يَئِدون البنت وهي صغيـرة؟ ولمّا جاء الإسلام أعاد الاعتبار ليس للعقـل وحده بل للقلب وللعلم.
فالإنسان تتغلّب عليه عواطفه ومشاعره، ويعتريه الضّعف البشري وتحرّكه المصلحة والمنفعـة كما تحرّكه المبادئ أيضا. والتربية ليست شيئًا سهلاً لكنّها الطّريـق الوحيد إضافـة إلى التعليـم والتكوين لترقية حسّ الإنسان وتهذيب طباعه والسّير بـه نحو الأحسن والأفضل، ورغم ذلك فقد ننجح في صناعـة الإنسان وقد نخسر. إذن أنت في حاجة إلى تأكيدك على التغيير المطلوب، وفي رحلة التغيير أنت بشر تُخطئ وتُصيب تسقط وتقف، وخير الخطّائين التوابون.
مراحـل واستراتيجيــة التغييــرالفعّالــة
1) مرحلة الإسقاطات: تجد الفرد يبحث ليبرّر ضعفه وتهاونه بمبرّرات خارجية واهية كالوسوسة والحسد والمسّ والتآمر عليه، فأوّل خطوة معه أن يتحرّر من هذه الأوهام بالوعي والتعلّم وتعميق الفهم، وتهيئته للتغيير فالتّهيئة الذّاتية والاستعداد النّفسي خطوة أساس ذات أولوية أولى.
2) مرحلة الإعداد: بأن يعرف قيمة المعلومة في البداية قد ينكر التغيير ويقاومه، وبعد إقناعه وتعبئته وشحنه يتقبّل الأمر بل يلتزم به ويسعى عن طواعية للتنفيذ.

3) الشّروع في العمل والتطبيق.
4) مرحلة الصّيانة: (تعديل، إعادة بناء، إعادة ترتيب.)
5) تحقيــق النتيجــة.
بيــن التغييـر والتأثيــر
غيّـرْ نفسك يتغيّر العالم من حولك، فالإنسـان كلّما أعطى أهميّة للآخر ونسي نفسه فشـل لأنّ المنطلق خاطئ. فابدأْ بنفسك أوّلا أمّا الآخرون فنحن نملك حقّ التّأثير فيهم ليس إلاّ، نعم نساعدهم بالتربية والتعليم وبنشر الوعي في أوساطهم كي يغيّروا أنفسهم.أمّـا أن يدّعـي إنسان أنّه بإمكانه أن يغيّر في الآخرين فهو واهم، لأنّ التّغيير شيء والتّأثير شيء آخر، فنحن لا نملك حقّ التّغيير، لكن نملك حقّ التأثير. نحن مثلا نتأثّر بالهواء المناخ الغذاء البيئة، فاللّون له تأثير والصّوت له تأثير، حتّى الكلمة تؤثّر بل مجرّد حركة وإشارة تؤثّر، تصوّر القمر له تأثير علـى الإنسان على البحر على النّبات. فكلّ شيء يؤثّر في كلّ شيء. إذن فحقّ التأثير موجود في الحياة، فاعمل شيئا جميلا يتأثّر به الآخرون، بعملك بإضافتك برسالتك، أمّا حقّ الهداية وحقّ التغيير فليس من حقّك ولا من حق غيرك مهما كان، ولو كان المعني بالتغيير نبيّا رسولا، قال الله تعالى مخاطبًا رسوله الكريم بهذا الشأن "إنّما أنت مذكّر لست عليهم بمسيطر."(22-الغاشية)
فبالّسلاسل لا تستطيع أن تجرّ الآخريـن إلى ما تريـد. فلا يجوز لأحد على أن يُكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين أويكونوا كلّهم على دين واحد، أو على مذهب واحد، كما أنّه ليس لأحد أن يحاسب النّاس على هدايتهم أو ضلالهم، أو يجبرهم على اتّباع منهجه، مشيئة الله وحكمته اقتضت أن يكون النّاس مختلفين، ولذلك خلقهم. قال تعالى: "أفأنت تُكرِه النّاس حتّى يكونوا مؤمنين."(99-يونس) وقال تعالى أيضـا: "لا إكراه في الدين."(256-البقرة) وقال تعالـى: "ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم."(118، 119 هود) وقـال تعالـى: "ومن النّاس والدّواب والأنعام مختلف ألوانها." (28-فاطر) فظاهـرة التنوّع ظاهرة إثراء وتكامل لا ظاهرة تضادّ وتصـارع، ولذلك خلق الله النّاس مختلفين في ألوانهم وألسنتهم في أعراقهم وأجناسهم، فالاختلاف بين بني البشر سنّة كونية وحكمة إلاهية. انظرْ كيف عاش المسيحيون وحتّى اليهود كأهل ذمّة في كنف الدولة الإسلامية لم يمسسهم سوء. فهذا مقتنع بالشيوعية فهو حر،ّ وهذا خياره لبرالي فله ما أراد. قال تعالى: "لكم دينكم ولي ديـن." (6-الكافرون) فحقّ الاعتقاد وحقّ التعبير عن الرّأي مكفـول في كلّ الشّرائـع والأديان والدّساتيـر والقوانين. أمّا أن أُكرِه الآخرين وأُجبرهم على اتّباع منهجي أو مذهبي أو طريقتي أو ديني بالقوّة، فليس من المنطق في شيء ولا من الدّين ولا من العلم في شيء، وهو يتنافى مع مبـدأ التعدّد في الخلق. قال تعالى:"ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن يُضلّ من يشاء ويهدي من يشاء..."(93-النحل) والإنسان اجتماعي بطبعه يؤثّر ويتأثّر وفي الحديث الشريف: "مثل الجليس الصّالح والسّوء كحامل المسك ونافخ الكير..."(رواه أبو موسى الأشعري) ومـن الأمثلة المشهورة فـي ثقافتنا العربية: "المرء على دين خليلـه فلينظر أحدكم مـن يخالل"ومثـال "الصّاحب ساحب" ومثال "قل لي مـن تصاحب أقول لك من أنت" وهكذا ينبغي أن تكون لك قدرة على الإقناع وقدرة أخرى على التّأثيـر طبعًا الإيجابي. قالت إحدى بنتي سيدنـا شعيب لأبيهـا: " قالت إحداهما ياأبتِ استأجره، إنّ خير من استأجرت القوي الأمين."(26-القصص) القويّ: صاحب كفاءة مقتـدر، والأمين: الثّقـة الورع صاحب الوازع الدّيني والضّمير الحيّ الذي يخاف الله ويخشاه، والذي يملك قدرة عجيبـة على التّأثير لأمانته وصدقه واستقامته. وأوّل أنواع القوّة، قـوّة العقيدة والأخلاق، قـوّة الحقّ والعدل، قـوّة الفكر والوعي، قوّة الأهداف والتخطيط. إنّه لا إقناع بدون علم بدون حجة دامغة بدون كفاءة، ولا تأثير بدون خوف وخشية من الله واستشعار عظم المسؤولية وثقل الأمانة. وعلى كلّ راغب في التّأثير أن يتصف ويتخلق بهذه الأخلاق ثم يسعى لامتلاك الأدوات الفكرية والثقافية اللازمة كي يؤدّي الأمانة والرّسالة بصدق وإلاّ ينصرف ويترك السّاحة لأهلها. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
عمـلاق (لا) لا لليــأس
والقنوط، نعم للإيمان والأمل، مـا أكثر المفردات والكلمات التي تحمل شحنات سلبية والتي نسمع البعض من النّاس يردّدها، كقول أحدهم: لا أستطيع..لا أقدر..لا أعرف..الخ) وقد تَصْدُر منّا أحيانا. إنّها عبارات تكرّس وتزرع السّلبية في أعماقنا فعندما تقول: أناغير قادر.. فالعقل الباطن يُلغي أنا ويُبقي على غير قادر، فهو يستخلص الشّيء السّلبي، إذن لا تردّد مثل هذه العبارات، فهي ليست مجرّد عبارات، بل برمجة سلبية يتلقفها العقل اللاواعي ويرسّخها، فما تضعه في نفسك تجنيه. إذَا قلتَ مثلا: أنّ الرّياضيات صعبـة لا أستطيع تعلّمها فسيكون الأمـر كذلك، على اعتبـار أنّك مرّرْتَ قناعـة واعتقادا سلبيا حول هذه المادّة. فاعتقادُك الدّاخلي:" أنا لا أستطيع" تضعُ به قيـودًا لنفسك. كذلك قولك:" لكن..أحاول..ربّما.. "هي الأخرى مفردات سلبية تهدم ماقبلها، فهـي تُعطي رسالة إلـى العقل الباطن: لا تفعل. كأن تقول مثلا: أنت مجتهد لكن..فكلمة "لكن" تُلغي ما قبلها وتهدّمه وتلغيه، وكما يُقال تضربه في صفر، كذلك لا تقل للطفل: لا تكسر الكأس. فالعقل اللاواعي يُلغي: لا..ويبقي أَكْسِر الكأس. والأوْلى أن تقول له: انتبهْ أمامك.
ضعف التقدير الذاتي أيضا غيرمقبول، وذلك حينما تعتقد، أنّك أقلّ قيمة من الآخرين، وهي أخطر برمجـة، حينما تُكَوِّن صورة عن نفسك ضعيفة، اعتقادُ أنّكَ ضعيف هذا ممكن أمام مولاك حين تناجيه أمّا مع الخلق فالأمر يختلف، لأنّ الشّعور بالضّعف الدّاخلي يُنمّي الخوف الاجتماعي، عندما تكون ثقتك فـي نفسك ضعيفة وشخصيتك مهزوزة، تصبح تتردّد كثيرا وتخاف من الدّخول في أيّ مشروع، وقـد يصل بك الحال إلى حالةإحباط، فحذارِ من تحطيم النّفس ومن تكسيرها. وحتّى تغيّـر من هذه البرمجة السّلبية، أنظـر كيف تُحدّث نفسك؟ ولاحظْ ماذا تقوله للآخريـن؟ وكيف ينظرون هم إليك فقـد يبرمجوك فلا تهتمّ ولا تتأثّر، ألغِ في الحين رسائلهم السّلبيـة الموجّهة إليك أعكِسهـا. إذن انتبهْ إلى ما تقوله أنت لنفسك والغِ كلّ ما هو سلبي، وانتبـهْ إلى ما يقولـه الآخرون عنك والغِ السّلبي منه، وبمثل هذه الردود الواعية تَسلم وتتفادى كل السهام المسمومـة.
إنّ حديثك النّفسي إلى عقلك حديث صامت وغير مرئـي ومع ذلك فهو حقيقي. هناك دراسـات حديثة1986 توصّلت إلى أن 80 %من التحدّث مع الذّات سلبي ممّا يسبّب أمراضا خطيرة. فـإذا حدّثتك نفسك: "أنا ضعيف، لا أقدر، لا أستطيع.."ألغِ في الحين، وقل: "أنا إيجابي، أقدر وأستطيع بإذن الله. وإذا جاءك الخطاب من الآخريـن بأنّك: "عصبي وعاجز ونَفَََسُك قصير" ألغِ في الحين، وقـل:"أنا هادئ، أقـدر إن شاء الله، نفَسي طويل. "كرّرْ هذه العبارات فإنّ للكلمة قوّة عجيبة، جرّبْ مـع نفسك ومع الآخرين، أنظرْ مثلا لمّا تستغرق في حالة من الدّعـاء والابتهـال، وخاصّة إذا كانت الأدعية المأثورة والتي كان نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم يدعو بها، أكثِر من مثل هذا وستلاحـظ النتائـج والأثر الطيب إن شاء الله تعالـى. أزِحْ الهمّ والحزن عن نفسك، وأحسنْ الظّن بالله وبالنّـاس وتواصلْ معهم، واطردْ كلّ الوساوس والأفكار السّلبية.
راقبْ أفكارك لأنّهـا ستصبح كلمات، وراقب كلماتك لأنّها ستصبح أفعالا، وراقبْ أفعالك لأنّهـا ستصبح عادات وأخلاقا، وراقبْ أخلاقك فهي سر نجاحك في الدنيا والآخرة والمصدر الأساسي لسمعتك وشخصيتك.إنّه لا سبيل للتغلّب على الأفكار السّلبية إلا بإلغائها وتبنّي الأفكار الطيبة النّافعة الإيجابية. وهذه بعض صفات الإنسـان السّلبي. أعرضها عليك مخافة أن تقع فيها وتكون فريسة لها، إقرأها ثمّ تأمّلها جيّدا لتجتنبها وتتفاداها.
1) لا يكرّر المحاولة، في أوّل سقوط له ينهزم ويتوقف ولا يعيد الكرّة، فمن يستسلم ويرفع الرّاية فقد بدأ فعلا رحلة الفشل وما أسوأها!
2) أسير ماضيه فهو مسيطر عليه متحكّم فيه وفي قدراته. الماضي زمن انقضى وأصبح حُكْمـا، فلمّا تصرّ على البقاء فيه؟ ما الفائدة؟ إنّه من المستحيل أن تغيّر في ماضيك. ما مضى فات وما ذهب مات، فلا تفكّر فيما مضى فقد ذهب وانقضى. حتّى المستقبل أتركه حتّى يأتي، ولاتهتمّ بالغد لأنّك إذا أصلحتَ يومك صَلُح غدك.عشْ اللحظة التي أنت فيها الآن،فكّرْ في واجب الوقت الحاضر، ولا تُشغلْ نفسك بغيره ولا تُضفْ همّا آخر إلى همومك، رفقا بنفسك يرحمك الله.
3) تجده كثير اللّوم والشّكوى والانتقاد للآخرين، ويجعل من الأسباب الخارجية مِشْجَبا يعلّق عليه كلّ فشله. البيئة..الزّمان..النّاس..المتآمرون...إلخ)
4) كثير التّبرير لفشله بمنطق وبغير منطق، يختلق الأسباب والأوهام ليبرّر بها ويُقنع.


5) يحمل قناعات وأفكـار سلبيـة: "لا أقدر فعل هذا الشيء.." "ليس عندي مال.." "إنّهـم لا يقبلون..إلخ)
6) دائما يتحدّث إلى نفسه بكلمات وعبارات سالبة:"إنّي مريض..""هذا غير ممكن.." "لا أستطيع.." فأنت عندما تشعر بالعجـز وأنّك غير قـادر على فعل الشّيء، وأنّك لا تتّخذ القـرارات الهامّـة والصّائبـة ولا تفصل في الأمور المستجدّة، وإحساسك بأن لا أحد يُصغي جيّدا لما تقولـه، وأنّ أفكارك لا تلقى القبول والتقدير اللازمين، وأنّك لا تحصل على التقدير المناسب لمقامك. والحلّ:أنْ تؤمن بأفكارك وقدراتك، كنْ واثقا من أنّ هناك شعاع نور وبصيرة بداخلك وبداخل كلّ منّا، يمكن أن نتعرّف من خلاله على الطّريق الصّحيح، والثّقة بالنّفس ما هي إلاّ إيمان داخلي وشعور راسخ بأنّك تمتلك كلّ المقوّمات اللازمة لإنجاز أيّ مهمّة تسعى لآدائهـا، وهي عبارة عن شعـور فريد وقويّ يأتي كنتيجة لإدراكك الكامل بأنّك تستطيع الاعتماد على الله أوّلا وعلى نفسك، إنه إحسـاس فطري وطبيعي في كلّ البشر.وعليه تُعتبر الأفكار السّلبية المثبِّطة أهمّ وأكبر عقبة تعترض طريقنا وتحـول دون انطلاق قدراتنا وطاقاتنا وتقدّمنا إلى الأمـام، فهي تجعلك تعتقد أنّك لا تستطيع أن تفعـل، فهي تشلّ الإرادة، نظرًا للعلاقة الوطيدة بين ما تعتقده وما تفعله. لذا دعِ الأفكار السّلبيـة تماما، إذا أردت التخلّص من تصرّفاتك السيئة إلى غير رجعة.
07 البـاب الثالـث: مهـارات لابـد منهـا.عملاق (ق) قد وقتك
 مهـارة إدارة الـوقت:
قُـدْ وقتك: العملقة تتحقق بوضع خطّـة ومنهج والسّير خطـوة خطـوة نحو تحقيق الأهداف المنشـودة والمقاصد النّبيلة، مع العلم أن العمالقة ينتجـون مجتمعـا عملاقـا والأقزام ينتجون مجتمعا قزما. قضيتان مهمّتان أساسيتان فـي حياة الإنسان، لو انتبه إليهما وأعطاهمـا من العنايـة والتّركيـز والجهد لحقّق نجاحات باهرة في حياته، ألا وهما:
*معرفـة الموهبـة الخاصّـة:
التي حباك الله بها، فَضْلُ الله عليك، ماتميل إليه وترغب فيه، تخصّصك، رسالتك الخاصّة، الاتّجاه والمجال الذي بإمكانك أن تنتج فيه وتبدع وتتميز، العمل الذي تحبّ وتجد فيه نفسك قدراتك الخاصة، المواهب التي سلّحك بها القدر، وهي من أجل النعم على الإنسان بصفة عامة.
*حسـن تنظيـم الوقـت
فمن اكتسب مهارة إدارة الوقت فهـو الموفّق. وعليه لا بدّ من الإشارة إلى قيمة الوقت في ثقافتنا العربية الإسلامية. وكما نعلم الحركة مربوطة بالزّمن، فعلينا أن نَقْصد في مشينا، ونحسب للوقت حسابه ولا نترك لحظة تمرّ دون أن نستفيد منها ونستثمرها في الاتجاه الإيجابي.
*الوقـت هـو الحيـاة:
قالوا الوقت من ذهب، وذلك لأنّه من أنفس الأشياء وأغلاها. وقال آخرون: لا لقد أبخستموه حقّه فهو أكبر من ذلك فالوقت هو الحياة، فهو من أنْدر الأشياء وأثْمنها لأنّ مشكلته إذا غاب لا يعود، ومن هنا كانت له هذه الأهمية. وقد عُني به القرآن الكريم والسنّة النبوية أيُُّما عناية وعلى سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: "وسخّر لكم الليل والنّهار"(33-ابراهيم) وقولـه:"وهو الذي جعل الليل والنّهار خِلْفَة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شُكورا."(62-الفرقان) وقوله: "والليل إذا يغشى، والنّهار إذا تجلى."(1، 2-الليل) وقولـه:"والفجر، وليال عشر، والشّفع والوتر."(1، 3-الفجر) وقولـه: "والعصر، إنّ الإنسان لفي خسر."(1، 2-العصر) وثبت في الحديث الشريف: " لن تزولَ قدما عبد يوم القيامة حتّى يُسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله ممّا اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا فعل به. "وفي الحديث الصحيح الذي رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اغتنمْ خمسا قبل خمس، حياتُك قبـل موتك، وصحّتُك قبل مرضك، وفراغُك قبل شغلك، وشبابُك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك." وكتاب الوحي بشقيـه قرآن وسنة مليء بالإشارات التي تنبّه إلى قيمـة الوقت في حياة الإنسـان، وقد كان السّلف الصّالح رضـوان الله عليهم يسمّـون الصلوات الخمس بميزان اليوم وصلاة الجمعة بميزان الأسبوع.
ومن خصائــص الوقــــت:
أ ) أنّـه أنفـس مـا يملك الإنســان:
ولسوف يندم في التّفريط فيه لا محالة، فهو عندما يصحو ويتأمّل دقّات قلبه التي تقول له:عمرك: لحظة سرعان ما تنتهي وتزول، وإذا كان الذي مضى من عمرك كلمح البصر، فإنّ الذي بقي منه كذلك أوأقل. فالإنسان بضعة أيّام إذا انقضى يومه ذهب بعضه، والكياسة أن تعدّ العمر تنازليـا.
ويُحسّ بالتّفريط فيه عند الاحتضار وفي الآخرة. وهذا الشّعور لاشكّ يولِّد الحرص على الاستفادة من الوقت. قـال أحد السّلف: "أدركتُ أقوامـا كانوا أشدّ حرصـا على أوقاتهم من حرصكم على دنياكم."

وقال آخر: "إنّ الليل والنّهار يعملان فيك فاعملْ فيهما."وقال آخر:"من كان يومُه مثلَ أمسه فهو مغبون." وقال آخر:"ما ندمتُ على شيء ندمي على يوم غَرُبتْ شمسُه نَقُص فيه أجلي ولم يزِدْ فيه عملي."
وقال آخـر: "إذا مرّ بي يومٌ ولم أقتبسْ هدى، ولم أستفدْ علمـا، فما ذاك من عمري." وقـال أحد الحكماء: "من أمْضى يوما من عمره، في غير حقّ قضاه، أو فرْض أدّاه، أو مجْد أثله، أو حمد حصّله، أو خيْر أسّسه، أوعلْم اقتبسه، فقد عقّ يومه وظلم نفسه."
ب) أنـه سريـع الانقضــاء:
قـال تعالى: "كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيّة أوضحاها."(46-النازعات) وقال:"ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من النّهار..."(45-يونس) وقـال: "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، فاسأل العادّين قال إن لبثتم إلاّ قليلا لوأنّكم كنتم تعلمـون."112، 114-المؤمنون) وقـال: "يوم تقوم السّاعة يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعـة."(55-الروم).
ج) أن مـامضـى منـه لا يَعـود ولا يُعـوض:
ثبت في الحـديث الشريـف: "ما من يوم ينشق فجره إلاّ وينادي منادي، ياابن آدم أنا خلْق جديـد وعلى عملك شهيد فتزوّد منّي فإنّي لا أعود."والتحـدّي الأكبر كيف أُدير وقتي؟ فالوقت فرصـة وفضاء رحب أعطاه الله لجميع شعوب العالم بالتّساوي، ونحن أهل الشرق (العرب والمسلمون)عندنا قصور في النّظـرة إلى الوقت منذ أن يولد الإنسـان، فمنذ مرحلة المهد يُبرمج الطفل على عدم احترام الوقت، إذْ لا احترام لمواعيد الأكل والشّرب والنّوم، فكلّما بكى وصرخ تأتي الأم وتقدّم لـه ما يريد، فهي لا تتعاطى معه بطريقة منظّمة فيشبّ بل يشيب وهو غير حاسّ بقيمة الوقت في حياته. إذن فالاستخدام الأمثل للوقت يبدأ منذ الطّفولـة، فعندما أصنع الوقت فأنا أصنع نفسي وأصنع المجتمع. فالتربيـة الشّرقية وعلاقتهـا بالوقت منذ البداية فيها خلل. والإنسان لا يكون منظّمـا ومنتظمـا إلاّ إذا كان منطقي النّزعة. الكون كلّه منظّم من حولنا، لذا ينبغي أن تكون حياتُنا هي الأخرى منظّمة، لننسجم مع نواميسه، بدءً بمواعيـد الأكل والنّوم التي ينبغي أن تتمّ في فتـرات منتظمة فيصبح الجسم متعـوّدا على هـذه المواقيت فينتظم فما بالك لو نَظّمت بقيّة حياتك، ممّا يترتّب عليـه أشياء كثيـرة، فتعمل مواعيـدا لأكلك، ولنومك، ولعملك ولباقي شؤونك، تحدّد مهامك وفق خطّة واضحة محدّدة، ثم تجزّئ الرّحلة وتسير خطوة خطوة نحو التغيير المنشود. قـال الشيخ الغزالي: "الإنسان إذا ملك نفسه وملك وقته يقدرعلى فعل الكثير دون انتظار أمداد خارجية تساعده على ما يريد." وقال أيضا: "إنّنـا نتعلّم بعد فوات الأوان أن قيمة الحياة في أن نحياها، نحيا كلّ يوم منها وكلّ ساعة. أتدري كيف يُسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه في ارتقاب غده ولا يزال كذلك حتّى ينقضي أجله ويده صفر من أيّ خير. وهكذا يأتي الوقت في مقدّمة الأشياء التي ينبغي تنظيمها، فإذا كنت تعاني من أنّ الوقت غير كافٍ، وأنّ الوقت يتسرّب من بين يديك، فعندئذ أنت بحاجة فعلية إلى تنظيم وقتك."(1)
مهــارة التخطيــط
يقول أحدنا لماذا لم أتغيّر ولم أتحسّن، ربّما لأنّك لم تبذل جهدا في هذا الاتّجاه، أو بذلتَ جهدا غير منظّم وغير هادف، أو لم ترسمْ أهدافا ولم تخطّط. يقول أحد المتخصّصين في التنمية البشرية: "لوعندنا20000 من أمّتنا يخطّطون لاستطعنا أن ننهض بأمتنا." ويقول: "الذين يخطّطون في الأمّة
نسبتهم ضئيلة جدّا ويمثلون:3 % فقط، بقيّة النّاس ليس لديهم خطّة."ويقول: "إذا فشلت في التخطيط فقد خططت للفشل" ويقـول: "إذا ما كانت عندك خطـّة مكتوبـة وواضحـة، فأنت من ضمـن
مخططات الآخرين."(2).

(1) ص15 جدد حياتك- محمد الغزالي
(2) كيف أخطط لحياتي-صلاح صالح الراشد
فلا تنطلق ولا تتحرّك هكذا دون رسم هدف ودونما رؤية محدّدة وغاية واضحة. فإذا لم تحدّد وجهتك فقد تفقد البوصلة، وتتّجه اتّجاها آخر غير مرغوب فيه. فمن يعمـل بدون خطّة وبدون منهج بدون منطلقات وبدون علم، ويرتجل في كل ما يقوم بـه من أعمال، لا يعرف للأشياء وللأفكار وللوقت قيمتـه، وقد ينسف ما أنجزه في أيّ لحظـة والصواب أن يفكّر ويخطّط ويوظّف ذكاءه ولا يحرق المراحل، وينتظر النتائج ويصبر ويحافظ على مكتسباته ويزيـد في إنجازاته، ويستفيد من تجارب الآخرين.
لأنّ من نقاط الضعف عندنا أننا لا نخطّط في حياتنـا بصفة عامـة، وإذا خطّطنا لا ننفّذ، وإذا نفّذنا لا نقيم، وإذا قيمنا لانستمـرّ، وتلك مشكلتنا الكبـرى. تأخذنا نفحات سرعان ما تنطفئ وتزول. وعليه لا بدّ من احترام والتزام المعادلة التالية لحلّ هذا الإشكال:
(رغبة + إرادة + تفكير+ تخطيط + تنفيذ +مرونة وتعديل+ صبر+ تقييم + استمرارية = نجاحات رهيبة.) فالعاقل يتعلّم من ماضيه ويعيش ويحي حاضره ويخطّط لمستقبله. وشعاره دائما: "إنجازات تحقّقت وأخرى في طريق الإنجاز"
ويحضرني ماقاله الشيخ يوسف القرضاوي-أطال الله في عمره ونفعنا بعلمه-متحدّثا بألـم وحسرة عن صورة لعرب مسلمين عزلوا أنفسهم بعدمـا أفقدهـم الكيان الصهيوني مرجعيتهم الحضارية وذكر أسباب ذلك فقال: "نحن نتكلّم فقط وهم يعملون، نحن في فوضى وهم منظّمون، نحن نختلف وهم متفقون، نحن في غيبوبة وهم واعون."(1)




(1) مداخلة للشيخ يوسف القرضاوي.مؤتمر القدس المنعقد بالجزائر 27/03/2006
ولمّا حللتُ كلام الشيخ وتأملتُ واقع الإنسان العربي المسلم المعاصر، وجدته يعيش بالفعـل:
1) الفوضى بدل النّظام.
2) الارتجالية بدل التخطيط.
3) توظيف العاطفة بدل العقلانية.
4) طغيان الذاتية والشخصانية فـي حواراتنا بدل الموضوعية. وقال الشيخ الغزالي–رحمه الله-: "وما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يرسل نظرات ناقدة فـي جوانبها ليتعرّف عيوبها وآفاتها، وأن يرسم السياسات القصيرة المدى والطويلة المدى ليتخلّص من هـذه الهنات التي تزري به."(1)
وعن حاجة الإنسان إلى النظام في حياته قال أيضا: "والنّفس الإنسانية إذا انقطعت أواصرها، ولم يربطها نظام يُنسِّق شؤونها ويركّز قواهـا، أصبحت مشاعرها وأفكارهـا كهذه الحبّات المنفرطـة السائبة لا خير فيها ولا حركة لهـا.
ومن ثمّ نرى ضرورة العمل الدّائـم لتنظيم النفس وإِحكام الرقابة عليهـا وهكذا يستطيع كلّ امرئ أن يُجدد حياتـه وأن يُعيد بناء نفسه على أشعّـة من الأمل والتوفيق واليقظة. والعشوائية نوع من أنواع الإهمال وعدم التنظيـم الذي يُهدر طاقات الإنسان ويؤثّر بشكل سلبي على آدائه ومظهره، عندما تكون منظّما فإنّك تكون قادرا علـى أن تجمع جهودك ونشاطاتك في تناغم بديع، فالتنظيم يساعدك على الإبداع والإتيان بأفكار نيّرة، ومن صميم التنظيم التوازن بين الوقت والجهـد، فعندما يتناغم هذان المعطيان تصبح حياتك سهلة هادئة وتسير أمورك في تناغم وانسجام مثل عقارب الساعـة."(2)

(1) ص16 جدد حياتك-محمد الغزالي.
(2) ص17، 18 جدد حياتك-محمد الغزالي
وقـال أيضـا: "التربيـة كالزراعة والصناعـة عمل يحتاج إلى جهد طويل وليس كلاما مرسلا أو خطابة حماسيـة. كيف ننشئ ناسا يحبّون الإتقان، ويعشقون الجمال والإجادة ويرفضون الخلل."(1)
لكلّ إنسان نقاط قـوّة ونقاط ضعف، إيجابيات وسلبيات، يحاول أن يخفي سلبياته ويسعى جاهـدا لإبراز إيجابياته وإنجازاته، وهذا أمر طبيعي أمّا أن يبقى جامدا لا يبرح مكانه ولا يطوّر آداءه،
هنا يكمن الإشكـال، فالفطن يتفقد أحواله ويستثمر كلّ فرصة تتاح له لتغيير نفسه نحو الأفضل ليصبح أكثر تفاعلا وإيجابية مع نفسه ومع الأشياء والآخرين من حوله.
مهـارة البحث والاجتهاد في طلب العلم
أكثرْ بها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والقدسية التي تتحدث وتُرغّب فـي طلب العلم وتحصيله، وشدّ الرّحال إلى أهله والجلوس بين أيديهم لأخد العلم عنهم، والتخلّق بأخلاقهم الفاضلة. قـال تعالى:"واسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون."(7-الأنبياء) وقال: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمـون."(9-الزمر) وقال:"إنّما يخشى اللهَ من عباده العلمـاءُ."(28-فاطر) وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّـم: "من أراد الدّنيا فعليه بالعلـم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم.." وقال أيضا:"...إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولادرهما وإنّما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر."
قــال الشاعـر الحكيـم:
فتعلّموا العلم مفتاح العلا  لم يُبْـقَ بابا للسعـادة مُغْلقـا



(1) ص48 مشكلات في طريق الحياة الإسلامية-الكاتب نفسه
ومن يطّلع على تاريخ سلفنا الصّالح يجد صفحات ناصعة مشرقة تعكس سعيهم الجادّ في الاستزادة من العلم، لتبليغه إلى النّاس وإخراجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم والإيمان ، ومن ضيق الدّنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأعراف والتقاليد والعادات إلى عدل الإسلام ورحمته. قال ابن حزم كلاما جميلا أجدرُ بأن نقرأه ونتأمّله لاستخلاص العبر والدروس، وشحذ الهمم ليفتح الله علينا بنور العلم والفهم: "لذّة العاقل بتمييزه، ولذّة العالم بعلمه، ولذّة الحكيم بحكمته، ولذّة المجتهد لله عزّ وجلّ باجتهـاده، أعظم من لذّة الآكل بأكله، والشّارب بشربه، والواطئ بوطئه، والكاسب بكسبـه، واللاعب بلعبه، والآمر بأمره، فمن قوي تمييزه، واتّسع علمه، وحسن عمله، فليغتبط بذلك، فإنّه لايتقدّمه في هـذه الوجوه، إلا الملائكة وخيار الناس."(1)
وقال أبوعلي القالي حديثا موجزا هادفا مركّزا عن قيمة العلم ومكانته: "إنّي لمّا رأيتُ العلم أنْفس بضاعة، وأيقنتُ أن طلبه أفضل تجارة، فاغتربت للرّواية، والتزمتُ العلماء للدّراسة، ثم عملتُ نفسي في جمعه، وشغلتُ ذهني بحفظه حتى حويتُ خطيـره، وأحرزتُ رفيعـه، ورويتُ جليله، وعرفتُ دقيقه، ثم صُنْتُه بالكتمان عمّن لا يعرف مقداره، ونزّهتُه عن الإذاعة عند من يجهل مكانه، وجعلتُ غرضي أن أُودعه من يستحقّه، وأنشره عند من يشرّفه، وأقصدُ به من يعظّمـه، فمكثتُ دهرا أطلبُ لإذاعته مكانا، وبقيتُ مدّة أبغي له مشـرفا، فخرجتُ جائدا بنفسي، أجوبُ متون القفـار، وأخوضُ لجج البحار، مؤمّلا أن أوصلَ العلَْق النّفيسَ إلى مـن يعرفه، وأنشر المتاعَ الخطيرَ ببلد من يعظمه."(2)

(1) الأخلاق والسير-ابن حزم الظاهري
(2) ص 487- كتاب تاريخ الأدب العربي الأعصر العباسية- أبو علي لقالي
مهـارة المرونـة والقـدرة على التكيـف
الشّخص الأكثـر مرونة يستطيع أن يتحكّم في مجريات الأحداث، وأنت إذا لم تصل إلى هدفـك، غيّرْ الطريقـة أو الأسلـوب ابحثْ أولا عن مكمن الخلل بكلّ موضوعيـة واحذر من توظيف العاطفة، لأنّك كلّما انفعلتَ واندفعتَ كلّما أخطأتَ وانحرفتَ وابتعدتَ عن الجادّة والصواب. ولأنّه لا بدّ من مرونة عالية لتحقيق الهدف، فهناك أكثر من طريق وأكثر من أسلوب وأكثر من وسيلـة للوصول إلى النتيجـة. فهذا رسـول الله صلّى الله عليه وسلّم يعلمنا، انظرْ كيف تعامل مع الحدث في غزوة الحديبيـة؟ وجهة نظر الصّحابة ألاّ تنازل، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان جدّ مرنا، ارجعْ إلى صيغة العقـد: "هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلـم وقريش. فقالوا لـه:امحُ رسول الله؟ لوعلمنا أنّك رسول الله لاتّبعناك.
فقـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "امْحها ياعلي، واكتب:هذا ما اتفق عليه محمد بن عبد الله وقريش." وفي الأخيـر كانت الغزوة في صالح المسلمين، وسمّاها الله فتحا مبينا. وكذلك الحال في تعامله صلّى الله عليه وسلّم مع المخالفين والمخطئين وحتى مع الخائنين.
مثال ذلك رسالة حاطب بن أبي بلتعة التي بعث بها مع امرأة إلى أهله بمكّة، والقصّة معروفـة في السيرة. بل وحتى مع المنافقين كان صلى الله عليه وسلم يصبر عليهم ويلين لهم، أليس هو القائـل لعبد الله بن أبي بن سلول بشأن أبيه المنافق:"بل نترفّق به ونحسن عشرته مادام معنا." فالمواقف في الحياة تحتـاج منّا إلى حسن تصرّف، انظر إلى الماء على ليونتـه لا يتوقّف عند الصخرة، وإلـى النخلة عندما يهبّ عليها الرّيح فتتلوّى وتنحني ولا تنكسر. فلا بدّ أن نكون متفهّمين للقضايا متكيفين مع الأحداث مرنين كي نحقّق أهدافنا.

إذْ ليست القوّة في الحدّة والصّلابة كما يتصوّرها البعض، بل في المرونة والقدرة على إدارة الأزمات بحكمة وحنكة وتحكّم في الأعصاب وإعمال الذّكاء إلى أبعد الحـدود، وتفهّم الآخر المختلف أو المتنازع معه، والاستماع إليه، والتنازل له والاقتراب منه. لأنّ لقوّة قوّة الفكر والوعي والتحكّم في المشاعر والعواطف لا قوّة التعصّب للرّأي ولو كان خاطئا.
والمرونة مكسب يدلّ على القوّة لا الضّعف، فهي تدعوك إلى أن تستعمل فكـرك وذكاءك وتنظر إلى الوسائـل والأساليب والطرائق العديدة والبدائل والخيارات وما أكثرها وتختار الأليق والأنسب لتحقّق هدفك وتنجز خطّتك، وتأكّدْ أنّك لن تُحقّق شيئا بالصّدفة، فالحياة تدافع وصراع من أجل البقاء، والبقـاء للأقوى، فلا يكن سمك القرش أذكى منك، أما الديناصور فقـد اندثر وانقرض لعدم قدرته على التكيف مـع الظروف المحيطة به.
ولذلك قيل: "لا تكن قاسيا فتكسر، ولا طريّا فتعصر."فالمؤمن كالصّفصافة أو النّخلة حينما تهبّ الرّيح وتريد قلعهـا فإنها تطاوع وتميل وتلين تكيّفا مع الحالة الطارئة حفاظا على سلامتها دون أن تنكسر. قال الشيخ الغزالي:"والمرونة في مقابلة الشّدائد بعض آثار الإيمان والرشد.وحريّ بالرّجل الذي يدع العاصفة تمرّ أن يحسن التغلّب عليها بعد أن تكون حدّتهـا قد انكسرت. وهذه المرونة دلالـة تأدب مع الله وسكينة في ملاقاة قدره، ثمّ هي في معاملة النّاس أنجع الوسائل لكبح جماحهم بل لامتلاك أنفسهم.
وفي الأثـر: "جرّبت اللّين والسّيف، فوجدت اللّين أقطع." والمؤمن المرن يدور مع الأحـداث لا دوران ضعف ونفـاق، ولكن كما يـدور المصـارع في الحلبة حتى لا يكشف مقاتلـه لخصـم متربّص.عليك أن تختار واحدة من شيئين، إمّا أن تنحني حتى تمرّ العاصفة بسلام، وإمّا أن تتصدّى لهـا متعرضا بذلك للهلاك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمن كمثل الزّرع لا تزال الرّيح تميلـه، ولا يزال المؤمن يصيبه البـلاء، ومثل الكافر كمثل شجرة الأرز لا تهتـز حتـى تستحصد." وفي رواية: "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح مرة وتعدّلها أخرى حتّى تهيج -أي تقوى وتنضج- ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبـة على أصلهـا-لا تميل مع ريـح لصلابتها- حتى يكون انجعافها مرّة واحدة أي انكسارها."(1)

"يقول(وليام جيمس): كن مستعدّا لتقبّل ما ليس منه بدّ، فإن هذا التقبل خطوة أولى نحو التغلّب على ما يكتنف الأمر من صعاب، هذه المرونة في ملاقاة الواقع البغيض قد تكلّفك الابتسام له، وحمْل النفس على حسن استقباله، لا لأنّك تودّ بقاءه بل تخفيفا من شدّة الضّيق به. فالرّجل إذا وقعتْ به مظلمة يملك ردّها، وأوتي القدرة على كفّها فإن صبره عليها جريمة، ورضاه بها معصية.
أمّا إذا حلّتْ به مظلمة يعجز عن دفعها أو كارثة يعلم أن التخلّص منها فوق قواه، فيجب عليه أن يتحمّل وأن يتصبر."(2)






(1) ص84 جدد حياتك- محمد الغزالي
(2) ص 85 جدد حياتك- محمد الغزالي
مهـارة الصّبـر وقـوّة التحمّـل
حمل النّفس على ما تكره. قال الشيخ الغزالي:"وما تفتقت مواهب العظماء إلاّ وسط ركام من المشقات والجهود. والإيمان الحقّ يجعل الرّجل صلب العود، لا يميل مع كلّ ريح ولا ينحني مع كلّ خلة.وإذا أحصينا الرّجال الذين لا يأخذهم الدّهش أمام المفاجآت، عرفنا أنّ لهم من أنفسهم ما يهون عليهم أيّ مفقود وما يسلّيهم عن كلّ فائت، وبهذا الشّعور يمكنهم أن يقتحموا كـلّ حصار تضربه عليهم الليالي الكوالح." (1)
وقال الشيخ الغزالي أيضا:" فالمؤمن لا تزيده الابتلاءات إلاّ صلابة وثباتا، فنحن في حاجة إلى الكثير من الصبـر والالتزام بتوجيهات الوحـي. رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّـم: "إذا جمع الله الخلائق نادى منادٍ: أين أهل الفضل؟ قـال فيقوم النّاس -وهم يسير- فينطلقون سراعا إلى الجنّة, فتتلقّاهم الملائكـة، فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولـون: كنّا إذا ظلمنا صبرنا، وإذا أُسيء إلينا حملنا، فيُقال لهم: أدخلوا الجنّة فنعم أجر العاملين."(2)،
وقال الشيخ الغزالي أيضا: "وإنّني بعـد ما بلوتُ النـاس أَجِدُني مضطرّا لأن أقـول: مَحّصْ عملك لله، وانشدْ ثوابه وحده، ولا تنتظرْ أن يشكرك أحدٌ مـن النّـاس، بل توقّعْ أن يضيق النّاس بك، وأن يحقـدوا عليك، وأن يبتغوا لك الرّيبة وينسوا الفضل، وأن يكونوا كمـا








(1) ص 156 جدد حياتك- محمد الغزالي
(2) ص124 جدد حياتك- محمد الغزالي
قـال الشاعـر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا  عني وما سمعوا من صالح
دفنوا جهلا علينا، وجبنا عن عدوهم  لبئس الخلتان: الجهل، والجبن
وإنّه ليخيّل إليّ أنّ العداوة أزلية بين الأمجاد والأوغاد. بين أصحاب المواهب والمحرومين منها، بين فاعلي الخير والعاطلين عنـه. ومن ثمّ يجب علينا أن نتوجّه بحركـات قلوبنا وأيدينا لله ربّ العالمين، لا ننتظر ثناء ولا إعجابا، ولا بروزا ولا شكورا."(1). قال الشاعــر:
لأستسهلنّ الصّعب أو أدرك المنى  فما انقادت الآمال إلا لصابر.
 مهـارة الأثـر وتـرك البصمـات
أن تترك آثارا طيبة من بعدك. وقد ثبت في الحديث الشريف: "إذا مات ابن آدم انقطع عملـه إلاّ من ثلاث، صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له." فقيمة الإنسان فيما يحسنه ويتقنه، في أعماله وإنجازاته. ومن لا إضافة له ولا عطاء فما قيمة وجوده؟ قال الشاعـر الحكيــم:
قيمة المرء ما قد يحسنــه  فاطلب لنفسك ما تعلو بـه وصـل
وكما قالت الأعرابية قديمـا: "البعرة تدلّ على البعيـر، والأثر يدلّ على المسيـر. وأنت ما الدّال عليك؟ هل قمتَ بعمل ما إضافة تخلّد بها ذكرك وتنفع أمّتك والبشرية، وعلى الأقـلّ الناس الذين مـن حولك.لا تكنْ كمن يعيش على هامش الحيـاة، سلبي لا يقـدّم شيئا منفذ فقط، لا يتقـن إلا الاستهلاك ومضغ الكـلام، ليس لـه فضل على أحد. قيمة الإنسان بإنتاجه، بعطائه.أمّا التفـرّج والتغنّي بأمجاد الماضي دون إضافة شيء فضعف وقصـور.


(1) ص 131 جدد حياتك- محمد الغزالي
الإنسان النّاجح غيـر عادي فعّال يبادر، يجتهد، يقترح، فثابرْ وتميّزْ واسْعَ لتحقيق إنجازات في حياتك تخلّدْ بهـا ذكرك، فكم مـن إنسـان عاش حياة روتين ومات فنُسِي، لكن هناك أناس ماتـوا منذ آلاف السنين وحينما تركـوا بصمات خالدة فلن تنساهم الأجيال على مرّ التاريخ.
ولكي تحقّق إنجازات لابدّ أن تعمل وأن تحلم وأن تنمّي مهاراتـك وتطوّر في قدراتـك، ثم حدّد المجال الذي يمكن أن تنتج فيه، التخصّص الذي تحبّه، فالإنسان لا يبدع إلا إذا عمل فيما يحبّ، أمّا الذي يريد أن يبرز في كلّ شيء لا يستطيـع. حدّدْ ما تريد فعلـه، فالشيء المحدّد الواضح يمكن تحقيقـه أمّا العموم فلا يفيـد. هناك من يعيش عمرا قصيرا ويحقّق أعمالا عظيمـة، وهناك من يقارب القرن ولا يحقّق شيئا، فشتّان بين الثّرى والثريّا! قـال أحدهـم: "أيّ عمر يمرّ من عمري بدون إنجازات لا أعتبره من عمري." بعد تحديد هدفي تصبح قراءاتي وعلاقاتي وملء فراغاتـي فـي إطار توجّهي فأنشغـل بالنافع المفيد. فكرة فعزيمة فانطلاقة جادّة. كيف أدير حياتي؟ كيف أرتّبها؟ بعد التفكير توضع الخطّة ثم يُبدأ في تنفيذهـا. فلا تكنْ مثل الذين يقضون جلّ أوقاتهم في الفراغ في اللاشيء فهم يعيشون حياة فوضى مفرغة من أيّ محتـوى. إنّي أبغض إمرءً يكون مشغولا بشيء لا ينفعه في دينه ولا في دنياه، جُهْد ضائع يقود إلى الفشل في الحياة، أو مثل من يعيش على الأحلام والأوهـام والأمانـي الفارغة ولا ينتج شيئا. لا بدّ أن تنجز قبل أن ينتهي العمر، كلّ شيء يدعـونا إلى أن نستعجل فـي الإنجاز. المثال العربي يقول: "من زرع حصد." وهل هو مثال صحيح؟ فقد يزرع الإنسان ولا يحصد، فليس كلّ من يزرع يحصد بالضرورة. يحصد من زرع ورعى، وحماه وتابعه وصبر وتجهّز بالأدوات والآلات، ولم تأتِ أقدار تخرّب زرعه، هذا هو الذي يحصد. فالتراكمات ليس من السّهولة القضاء عليها.
النتائج لا تأتي فجأة بل لابـدّ من التوكّل على الله أولاّ وطلب المعونة منه، ثم تخطيط وبذل جهد وعمل وانتظـار(كمّ هائل من التراكمات) بعـدها يمكن أن نجني الثّمـار.إذن من زرع ورعى وتعهّد وتعب وصبر حصد، وليس من زرع حصد. ينبغي أن تكون عضـوا إيجابيـا في المجتمع، لك رأي وفكر ومساهمة وفضل وشخصية، ثبتَ في الحديث الشريف: "المسلم كالغيث أينما وقع نفـع." فحاربْ السلبية فـي حياتك، ولا تدع الكسل والخمول والفوضى تتسرّب إليك، فإنّها تسرق منك عمرك دون أن تشعر، فالحذر الحذر.
 مهــارة الاتّصــال والتواصــل
هناك ثلاث عناصر رئيسية في عملية الاتصال:
1) مرسل (كلمة)
2) مستقبل (يسمع كلمة)
3) رسالة (محتوى محدّد) أفهمه أياها
النظريـة الكلاسيكيـة في التواصل(-مرسل-ومرسل إليه، مستقبل، وموضوع الرسالة.)
النظريات الحديثـة:الإنسان نفسه مرسل ومستقبل (feed-bek) لأنّ الرّسالة السلبية تؤثر سلبا على المرسل قبل المستقبل، والرسالة الإيجابية تـؤثر بالإيجاب على المرسل قبل المستقبل أيضا. فانظر حالك مثلا لمّا تغضب ويصدر منك كلام مؤذي، فمن أوّل من يتأذّى به ياترى؟ وحالك عند الابتهال والدعـاء لما تَصْدر منك كلمات طيبـة، فشتّان بين الإرسالين وبالتالي إذا حسّنتَ الآداء كمرسل يتحسّن عند المستقبل. والمتواصل عادة له هدفـان لا ثالث لهما هما:
1) طلب المساعدة.
2) تعبير عن مشاعر
ويمكن أن يُجمعا لكن ليس هناك هدف ثالث. وهذا يسهّل علينا فهم الآخريـن جيدا. فـإذا حدث اتصال ما من أي كان فعليّ أن أتأمّل فيه جيدا وأبحث في السبب والدافـع، ولا أنشغل بالموقف والفعل والنتيجة. لأنّ المهم أن أعرف قصده من هذا التواصل. والإنسـان لم يتوقفْ عن الاتصال منذ أن كان جنينا. وقدْ أثبتتْ الدراسات أن الطفل يبدأ يسمع منذ الأسبوع الثاني وهو في رحـم أمه.وإذا كانت 70% من حياتنا كلها اتصال وعلاقات مع الآخر، فإن تحسين الاتصالات الإنسانية مهم جدا في حياتنـا اليومية الفردية والاجتماعية لإيجاد نوع من التوافق والقبول والرضـا، من أجل ألفة عاليـة مع من أعيش، أتحبّب إليه أصل إلى قلبه. كيف أحفز الآخر؟ أستقطب اهتمامـه، أستحوذ على كل الشّرائح، كيف أعرف نظـام كل شخص؟ كيف أرفع مستوى آدائـي؟ كيف أبلّغُ رسالتي بسهولـة؟ وقد قيـل إذا حدّثتَ الناسَ عن نفسك استمعـوا إليك، وإذا حدّثتهم عن أنفسهم أحبّوك. فلنتعلّمْ ولنتدرّبْ على ما يسمّى ببناء الألفـة لتحقيق أرقـى اتصال وأقوى اتصال وأجمل اتصال. ولذلك قالوا: راقبْ كلماتك، راقبْ حركاتك، راقبْ ملابسك فإنها تحمل رسائل. إذن ما هي أفضل طريقة للاتصال بالآخرين؟ أن أعرف أصناف البشر وبالتالي مفتاح كل شخصيـة، وإنه من الخطإ أن استعمل مفتاحا واحدا مع كل الأنواع، فهناك البصري والسمعي والحسّي، ولكل وتَره الخاص، كل ذلك من أجـل الوصـول إلى ألفة عالية بملامسة نقاط الاتّفـاق والفضاءات المشتركة وما أكثرها بين الناس وتبقى الكلمة الطيبة المفتاح السحري الذي بإمكانه فتح كل القلوب.
مع العلـم أن الكلام المنطوق أو اللغة الشفهية أو ما يسمى بالاتصال اللفظي لا يمثل إلا 7% فقط، 93% من عملية الاتصال

بوراس بوعلام
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 203
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 25/11/2008
العمر : 39

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://soukahras.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: صناعة الذات " عماري جمال الدين

مُساهمة من طرف بوراس بوعلام في 2012-04-20, 1:40 pm


فانظرْ أهمية لغة الجسـد أومـا يسمى بالاتصال غيـر اللفظي وكم نحن عنه غافلـون!
ولكل إنسان مستويان من الاتصـال، واعي وغير واعي. وكي أنجح في حياتي لا بدّ من اتصال قوي داخلي وخارجـي، فتوفّر عنصر الرضى والقبـول عند الآخريـن باعتبار الإنسـان كائن اجتماعـي، أتعاون معهم اتصل بهم، رسالة غادية وأخرى عائدة والاثنان مقبـولان. الاتصـال الإنساني يبدأ بالكـلام، مارك توين قـال: الكلام أنواع كلام مثل البرد، انفجار، رعد، صوت قـوي، صدمة، وكلام آخر مثل الشمعة (يضيء ببساطة) فالاتصال المبتور يرجع لنوع الكلمة أنظـر سلوك البائعين، الكلام مقنع بأسلوب مميز...إلخ.) فالصوت البشري مؤثر على نفسية الإنسان وعقله وبدنه وصحته، لذا ينبغي أن نختار الكلمات بعناية لمالها من قوة وتأثير. عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال-: "إن من البيان لسحـرا." وكان الصحابـة –رضي الله عنهم يقولون: "كنّا في مجالسنا نتخيّر الكلمات كما يختار أحدنا أطايب التمر."
مهــارة الفهـم والتفاهــم
صاحب فنّ العلاقـات يفهم من حوله، يحفز الناس، يحرّكهـم من الداخل، يفوض لهم، يعطيهـم صلاحيات، يشعرهم بأنهم مسؤولون عن تصرفاتهم وواجباتهم ينطلقون من قناعاتهم دونما إكراه. إنك تستطيع أن تشتري الذمم ظهـورالناس أيدي الناس، لكن قلوب الناس وولاءاتهـم لا يمكن شراؤها، القلـوب تُكسب. أن يعرف الإنسان متى يشدّ ومتى يرخي، التحفيز من الخارج لا يفيد التحفيز من داخل النفس من الرضى والقبـول من المحبة الصادقـة، فالإنسان عقل وقلب ونفس تتأثر. العلاقـات تُبنى على الصدق والرحمة دونما تمثيل، بعض الناس تحركهم القيم وهو أعظم تحريك، حركة الصحابة كان منطلقها عقيدة قيم ومبادئ ومُثل عليـا. أما التحريك بالتهديد بالعنف بالقوة لا يُحدث علاقات.العلاقات تُبنى على الحب، هذا الأخير إن كان نابعا من القلب كان صادقا. والحب ينتج عنه سلوك، تصرفات علاقات كذلك التصرفـات ينتج عنها الحب، هناك ألف طريقة وطريقة لنسج علاقات حميمية مع الآخر أساسهـا حسن الخلق، أمّـا التمثيل فعمره قصيـر.هناك من تحرّكه الكلمة الطيبة الحلوة، الابتسامة،الدعاء، تقديم خدمـة، أو مساعدة في إيجاد حلّ لمشكلة ما، إحسان مادي أومعنوي قال الشاعــر:
أحسن إلى الناس تستعبـد قلوبهـم  فلطالما استعبد الناس إحسان
كلّ إنسان له مفتاح ووتر خاص ينبغي أن نضرب عليه، من أجل التفاعل والتواصل معه إيجابيا. أحرصْ على أن تفهم الآخرين فهما صحيحا لا فهما سطحيا.
لن يفهم الإنسان إلا إذا حاول أن يفهم، بناء العلاقات يحتاج إلى فهم الآخرين أي الإبحار فيما هـو أمامنا، سبر أغوارهم، فهم دواخلهم، النفاذ إلى ما وراء الكلمات، قراءة ما وراء السطور، محاولة معرفة نيته من أجل الوصول إلى الحق والعدل لا من أجل الانتصار والغلبة. ولتكنْ مناقشة بدون تكفير وتجريح بدون إيـذاء إقامة الحجة بطريقة لينـة، وهنا يحضرني ما قاله الخليفة العباسـي أبو جعفر المنصور لأحد المتحاورين معه: "قد ذهب من هو خير منك إلى من هو خير مني، وقال لـه: "قولا له قولا ليّنا."(44 -طه) وقـال تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن."(125-النحل) وقـال: "ادفع بالتي هي أحسـن."(96-المؤمنون) أحاول أن أسمع حجة الآخريـن وأن أكون محايدا قدر الإمكـان لمعرفة الخطأ من الصواب والحق من الباطل، واعتقادي عن نفسي دائمـا: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". فلنحرصْ على فهم الناس بنية صادقة حتى لا تهتـز العلاقة لا ينبغي أن نتوقف عند كل كلمة، التركيز على النيات وقد قيل:"من لم يحمدك على صدق النية لن يفهمك على حسن الأفعـال". وهكذا فهم موقفي وموقف الآخريـن لا يتم إلا بمعرفـة فن لعلاقات.لذلك ينبغي أن ننمي ملكة القدرة على الفهم والاستيعاب في أنفسنا.
مهـارة الاستمـاع والإنصـات
حتى أفهم لا بدّ أن أستمع إلى النصيحـة إلى الشكـوى، إلى صاحب الرأي المخالف، إنّه فـنّ الاستماع فهو علم قائم بذاته ينبغي أن نتعلّم كيف نسمع؟ قال عتبة ابن الوليد لرسول الله صلى الله عليه وسلّـم: "يامحمد جئتنا وكنا أمة واحـدة.....إلخ.) فما قاطعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستمع إليه في أدب كامل، فلما أنهى كلامه قال له: "أفرغت ياأبا الوليد فاسمع مني..."وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا استمع لأحد التفت إليه بكليته. إذن فمن أُسس هذا الفن وآدابه:
*أن أسمع إلى محدّثي أو محاوري.
*أن ألتفت إليه، أن أنظر إلى وجهه وحركاته، لتشجيعه على إبداء وجهة نظره.
*وأن أعطي ردّة فعــل (feed-bek)، وأتفاعل معه.
*وقد أقاطعه لعدم الفهم-وهي مقاطعة صواب- لأعطيه فرصة كي يشرح أكثر.
*أن لا أنشغل بشيء.
*عند حدوث إزعاج أطلب الإعادة.
*أستمر في الاستماع حتى ولو كان الرأي لا يعجبني.
*أستمر في الاستماع ولا أفكر في الردّ.
*الاستماع الجيد الفعال يحتاج إلى صبر وجلد.
*قبل أن تردّ وتبيّن وجهة نظرك، لخّص وجهة نظر المخالف، وبعدها يكون الرد حتى لا تقع في (أنت لم تفهمني جيدا، أنا ما كان قصدي كذا...إلخ.)
*الإنصات فن وليس معناه السكوت، بل أسمع وأتفاعل بكل حواسي، أشجعه لا أقاطعه للرد.
*ثم لماذا أستمع؟ أُخلص النية، أستعدّ أن أدافع عن الحق، وأن أرجع إلى الحق إذا لم يكن معي.
*هل أسمع لأجهز الردود؟
*هل أسمع ما يرضيني فقط، أم أسمع ما يغضبني أيضا؟
*هل أسمع فقط أم أركز وأنصت؟ قـال تعالـى:"وإذا قُرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلّكم ترحمون." (204-الأعراف) إنه فن الإنصات.
*إذا قال المتحدّث كلاما يحمل الشرّ والخير أُؤَوّله على محمل الخير، كالمتشدّدين على الصوفية بأنّ قولهم كفر، لماذا لا أقول عنها بسبب الحب والصدق والروحانية العالية.
*لا نحمّل الناس ما لم يقصدوه ( لا، لا أنت قصدت كذا... ومن يدري؟)
*وحتى لا نخسر علاقاتنا نؤول إيجابيا، استعدادا للإنصاف ولو كان صادرا من مُخالف مهما كان أُحمّله المعنى الحسن: "التمس لأخيك سبعين عذرا، فإن لم تجد فلعلّ له عذر."
*إذن استمع وأنصت بعدل وإنصاف فإن قال حقا فاتّبعْه، وإنْ تبيّن خطأَك فتراجعْ.
إنّ معظم مشاكلنـا من عدم الاستمـاع إلى بعضنا البعض، من عدم فهم بعضنا بعض، وإذا كانت هناك وجهـات نظر للقضية الواحدة فلنستمعْ ولننصتْ ولنتفاهمْ ونعملْ فيما اتفقنـا عليه وليعـذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه. كلّ ذلك في تواضـع ورقّـة وليـن وعدم إحراج الناس، ومساعدتهم ورفعهم من الباطل إلى الحـق. فالحب والصدق والتواضع والرحمـة أخـلاق سامية تُبنى عليها علاقات دائمة، والأمر دائما يحتاج إلى إيمان ونضج وصبر وتضحية وفهم صحيح.
 مهــارة الحــوار
الحوار مهارة إنسانيـة وسلوك حضاري لا غنى عنه، وهو جزء من المنهج الإسلامي الأصيـل. وحتى تكون حواراتنا ناجحة مفيدة ومثمرة لابدّ من احترام الشروط التالية:
* تحديد الهدف بدقّـة من الحديث أو النقاش أو الحوار.
* النية الحسنة والتوجه الصادق.
* الانتصار للحقّ وليس للغلبة أو التعصّب للرأي أو للفكرة.
* فهم طبيعة المتحاور معه، ووزنه جيدا، وإنزاله منزلته.
* الإلمام بطبيعة الظروف الزمانية والمكانية والاجتماعية وكل الملابسات الأخرى.
* طرْق النقاط ذات الأولوية في النقاش.
* مناقشة الأفكار السلبية والرد عليها بهدوء.
* الموازنة بين مكاسب وأضرار الحوار المتوقعة.
* الإحاطة بكل جوانب الموضوع المطروح للحوار وتحضيره مسبقا.
* البدء في الحوار بما هو متفق عليه.
* ملامسة نقاط التقاطع والمساحات المشتركة.
* بشاشة الوجه.
* حسن الاستماع والإنصات.
* عدم الاستئثار بالكلام وإبراز العضلات.
* احترام الطرف الآخر، وعدم إيذائه، والحرص الشديد على ذلك.
* عدم الغضب والانفعال حتى لا ننحرف عن السكة، ونقيم حاجزا نفسيا مع الطرف الآخر.
* ضرورة الاتزان، وضبط النفس والتحكم في الذات.
* حضور العقل، وسرعة البديهة، وسعة الأفق، والتركيز الدقيق.
* عدم الخروج عن الموضوع المطروق من جانبك، أو من جانب الطرف الآخر، والانسياق وراء
نقاط عارضة أو ثانوية.
* ضرورة التوقف كل فترة لمراجعة الهدف، وتصحيح الموقف إنْ لزم الأمر.
* عدم اللجوء إلى استدراج الطرف الآخر للوقوع في خطأ.
* عدم التسرع في التقييم والتعليق وإصدار الأحكام.
* عدم مقاطعة المتحدث وإعطائه الفرصة الكافية كي يستفرغ ما في جعبته.
نمـوذج لمحـاور متحضّـر
ألا وهو: "أبوحنيفة النعمان" صاحب المذهب الفقهي المشهور، أحد الأئمة الأعلام الأربعة، رضي الله عنهم أجمعين. مع سعة علمه، ودقّـة الفهم منه، كان يتواضع للعلم ولا يغترّ برأيه، ولا يحمل الناس عليه بل يقـول: "قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن من قولنا فهـو أولى بالصواب منا." وهو يعنيه الوصول إلى الحق أولا وقبل كلّ شيء ومن أي طريق كان.وليس لديه شغف بالمجادلة أو المماراة، ولذلك نهى ابنه حماد عن الجدل والمناظرة في علم الكلام والعقائد، فقـال له ابنـه: "رأيناك تناظر فيه وتنهانا عنه ؟! فأجاب أبو حنيفة: "كنّا نناظر وكأن على رؤوسنا الطير مخافة أن يزلّ صاحبنا(أي مناظرنا) وأنتم تناظرون وتريدون زلّة صاحبكم، ومن أراد أن يزلّ صاحبـه فقد أراد أن يكفر صاحبه ومن أراد أن يُكفر صاحبه فقد كفر قبل أن يُكفر صاحبـه." فهل من معتبر؟ وهل من مقتدٍ؟
08 الخاتمــــة:
إذا كنت قد فقهت النجاح الحقيقي في الحياة، وأنه يسير على من يسره الله عليه، وأنّه بإمكانك أن تحقق ذلك. وكنت قد أجبت عن الأسئلة الكبرى ومنها: من أنا؟ وماذا أريد؟ وكيف أصل إلى مـا أريد؟ فعرفت نفسك ووزنك ومكانك الحقيقي وقيمتك في هذا الوجود، كما عرفت العلّة والغاية من وجـودك، وكذلك السبيل لتحقيق هذه الغاية النبيلة. وطبيعة المهمّة والدور المنوط بك، تكون قـد هيّأت كل الأسباب والمتطلبات اللازمة لانطلاقة جادّة نحو الأحسن، فبادر الآن ولا تنتظـر.
فصاحب الرسالة صاحب رؤيـة، طريقه معلومـة، غايته واضحة، أهدافه محـددة. شخص غير عادي، يتقن عمله، يخطّط ويرسم أهدافا، ينفّذ يقيم يراجع يعدل ليطور، هذا دأبه وديدنه، قد يبدو لك صامتا جامدا وحقيقته: فِكْر يحلّل، وروح تسمو، ونفس تزكو، وبدن ينمو صحيا، وإنتاج ينفع، ويد تعمل، شعاره "إنجازات تحققت وأخرى على طريق الإنجاز". شديد الحساسيـة لعامل الوقت لأنه يدرك قيمتـة وأهميتـه، لذلك تصبح الواجبات عنده أكبر من الأوقات. فهو منشغل بواجب الوقت، كي يعطي لحياته معنى ودلالة. يستثمر نعم الله عليه من صحّـة ومال ووقت وجهد وعلم ومعرفة وخبرة ونفس تعتبر، فيما يفيده وينفع غيره. يتمسّك بالعرفان بالفضل والجميل لواهب النعم ويشكره بكرة وأصيـلا، يتذكّر حقيقته دائما وأبدا، يستمدّ قوته وعونه من مولاه دائم الصلـة به، لأنه لا استقرار لعقله وفكره وقلبه إلا بالإيمـان، ولا راحة لجسـده وجوارحـه إلا بالإسلام ولا لروحه إلا بالتقوى. يتحلّى بالشجاعة وعدم الاهتمام بصغائـر الأمور، يتحمّل المسؤوليـة، يفي بوعده يقدّر الآخرين ويتعاطف معهم، يتعامل معهم بكل احترام، يتحلى بروح التسامح، يتعامل بمرونة، يتواصل بوضوح وشفافية، ينشد الحكمة قولا وفعلا، لأنّها النّور الذي ينير الطريق نحو صواب القول وصواب الفعل.وهكذا يُحدِث بتوفيق الله أولا، وبإرادته وسعيه الجاد التغيير لمنشود، ويحقق النجاح المرغوب، ويحوّل الحلم إلى واقع.
*عمل تطبيقـي، أكتب خطتك، ثم أقبل على تنفيذهـا.
ولتكنْ فرضا يُسْرى الخماسية. جزّئها إلى: سنوية، سداسية، ثلاثية. ثم إلى: شهريـة، أسبوعيـة، يومية. أذكر المدخلات والمخرجات. انتبه إلى ما يمكن أن تنجزه يوميا، راعِ الواقعية والمرونـة، حدّد ملمح الخروج الذي يُفترض أنه سيظهر كثمرة بعد تنفيذ الخطة النظرية وانتهاء المدة الزمنية المحددة سلفا. ثم أذكر المجالات وحدّد المتطلبات اليومية لكل مجال على حدى لتجسيد الأهداف المسطرة في البرنامـج المقـرر. وإليك هذا الجدول كمنطلق وكمثال ليس إلاّ وإلاّ بإمكانك أن تضيف أشياء أخرى.








09 جــدول توضيــحي :

التقويم الزمكانية أيام الأسبوع الإجراءات المستهدفة المجال الرقم
تعويض-تأجيل من-إلى.
–من:سا4-إلى:سا6 -كل يوم. رياضة:-الخميس -تنظيم مواعيد الأكل، والنوم،غسل الفم، ممارسة رياضة الكاراتيه أنا جسميا وبدنيا 1
قد تقضى -في وقتها-وفي المسجد -كل يوم -المحافظة على الصلوات في وقتها أنا روحيا وإيمانيا
2
عند السفريستدرك بعد صلاة.م.في.م. -كل يوم - قراءة القرآن الكريم.
عند السفرتقرأ باختصار بعد صلاة.م.في.م. -كل يوم -الدعاء(الوظيفة الصغرى)

/ -المسجد العتيق-قبل صلاة العشاء -الأحد-الثلاثاء-الخميس -حضور مجلس ذكر وعلم

/ -بعد الظهر،بالمكتب - الاثنين -التدريب على مهارة الإعلام الآلي أنا معرفيا وثقافيا 3

/ -بعد صلاة.م.العتيق -كل يوم -حفظ آيات من القرآن الكريم

/ -بعد صلاة.ع.بالبيت -الخميس، والجمعة -قراءة صفحات من كتاب........

/ -بعد صلاة.ع.بالبيت -كل ليلة -متابعة بعض القنوات الجادة كقناة إقرأ ...



المراجــع:
1) "جدد حياتك" للشيخ محمد الغزالي.
2) "صناعة النجاح"-الدكتور:طارق السويدان.
3) دروس بقناة الرسالة للدكتور محمد راتب النابلسي
4) "شرح الحكم العطائية"-الدكتور:محمد سعيد رمضان البوطي.
5) "قوة عقلك الباطن"-الدكتور:جوزيف ميرفي.
6) أقوال في التنمية البشرية والذاتية، قنوات:النجاح، الرسالة، إقرأ...


















الفهـــرس
الموضـــوع الصفحــة
الباب الأول: كيف أنجح في الحياة؟
1- المقدمة:أين الخلل؟ طرح الإشكالية................. 06
2- صناعة التفكير..................................... 17
3- فقه النجاح......................................... 26
الباب الثانـي: قيـادة الــــذات
4- المحطة الأولى الوعي بالذات(من أنا؟)............. 42
5- المحطة الثانية: الغاية من الوجود(ماذا أريد؟)...... 68
6- المحطة الثالثة: تنظيم الذات ...............71……
الباب الثـالث: المهـارات العشــر
7- مهــارات لا بــد منـــها:
 مهارة إدارة الوقت.......................... 89
 مهارة التخطيط.............................. 93
 مهارة البحث والاجتهاد في طلب العلم........ 96
 مهارة المرونة والقدرة على التكيف.......... 98
 مهارة الصبر وقوة التحمل.................. 101
 مهارة الأثر وترك البصمات............... 102
 مهارة الاتصال والتواصل.................. 104
 مهارة الفهم والتفاهم......................... 106
 مهارة الاستماع والإنصات.................. 108
 مهارة الحوار................................. 110
8- الخاتمــــة................................... 112
9- جـدول توضيحي................................. 114

بوراس بوعلام
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 203
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 25/11/2008
العمر : 39

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://soukahras.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى